يقول علي بن الطعّان المحاربي : كنت مع الحرِّ بن يزيد ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه ، فلمّا رأى الحسين مابي وبفرسي من العطش قال : « يا ابنَ أخ أنخْ الراويَة » فانَختَهُ ، فقال : إشرب ، فجعلتُ كلّما شربت سال الماء من السقاء ، فقام الحسين عليه السلام : « إخنث السِقاء » اي اعطفه . قال : فجعلت لا أدري كيف أفعل ، فقام الحسين عليه السلام فَخَنَثَهُ ، فشربت وسَقَيتُ فرسي . » « 1 » ومن نماذج صبر الحسين عليه السلام إباؤه البدء بالحرب ، على معرفته بان هؤلاء الكفار لن يرحموه ولن يرحموا اعزّته ، فرموه بالنبال وصبر وأقام الحجّة عليهم ولم يمدَّ ولا أحدٍ من صحبه يداً على سلاح .
لما وصل كتاب ابن زياد إلى الحرّ بن يزيد بمحاصرة الحسين عليه السلام والجعجعة به على غير ماء وكلاء ، قال زهير بن القين : يا بن رسول اللَّه انَّ قتال هؤلاء أهون علينا من قتال من يجئ من بعدهم ، فقال له الحسين عليه السلام :
« إنّي اكرَهُ أنْ أبدأهم بقتال »
وحتى عندما منعوا الماء عن الحسين عليه السلام وصحبه ، فلم يبق في مخيم الحسين ذو روح من الرجال والنساء والأطفال وحتى الجياد ، الا وهو يعاني من العطش ، وتعالت الصرخات بالعطش ، مع ذلك لم يبدأهم الحسين عليه السلام بقتال .
ورأى شمرَ ابن ذي الجوشن ، - من أبغض مبغضيه المؤلبين عليه يدنو من بيوته ويجول حولها ليعرف منفذ الهجوم عليها ، فأبى على صاحبه مسلم بن عوسجة ان يرميه بسهم وقد أمكنه ان يصميه وهو اسدَّ الرماة ، لأنه ( اي الحسين عليه السلام ) كره ان يبدأهم بعداء « 2 » ، وكأنه أراد أن تكون حربه دفاعية محضة .
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري ج 4 ص 603 . منشورات مؤسسة الأعلمي .
( 2 ) أبو الشهداء ص 144 - 143 .