دعاؤه يوم عرفة وادعيته الأخرى المنقولة في كتب المسلمين عامة ، خير دليلٍ على هذا المدّعى .
وما أثر عنه في توديعه للصحابي الجليل أبي ذر - الذي كان من أجلّة صحابة النبي ومن السابقين ، حيث ذكر ابن الأثير وفي أسد الغابة إنَّ أبا ذر كان خامسَ من إعتَنق الإسلام وعدَّ الكثير من مناقبه عندما نفاه عثمان إلى الربذة بعد ان طرده معاوية من الشام ، وكان الحسين عليه السلام في جملة من شيَّعه وودعه وهم الإمام علي والحسن وعمّار وعقيل ، قال الحسين عليه السلام لأبي ذر :
« يا عمّاهُ إنَّ اللّهَ قادرٌ عَلى أنْ يُغَيِّر ما قَدْ تَرى ، واللّه كلَّ يَومٍ في شأنٍ ، وقد مَنَعَكَ القومُ دُنْياهُمْ وَمَنَعْتَهُم دينَك ، وما أغناك عمّا منعوكَ ، وأحْوَجَهُم إلى ما مَنَعَتَهُمْ ، فاسْأَلْ اللّهَ الصَبْرَ والنّصْرَ واستعِذ بِهِ مِنَ الجَشَع والجَزعِ فانَّ الصَّبرَ مِن الدِّين والكَرَمِ ، وانَّ الجَشَعَ لا يُقدِّمُ رزقاً ولا يُؤَخّرُ أجَلًا » « 1 »
وهذه الكلمات قالها الإمام الحسين عليه السلام مرتجلًا وكان يومئذٍ في نحو الثلاثين من عمره ، يخاطب بها رجلًا مسنّا فاضلًا جليلًا من الصحابة ، فكأنما أودع هذه الكلمات شعارَ حياته كاملةً منذ أدرك الدنيا إلى أن فارقها في مصرعه بكربلاء ، وهي تعبِّر عن قدس مقام وروحانية الحسين العالية وعلمه ومعرفته وغناه وكمال بصيرته .
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق ، ج 4 ص 323 عن نافع بن الأزرق رئيس فرقة الأزارقة الخوارج حينما قال نافع للإمام الحسين عليه السلام :
صِفْ لي ربّكَ الذي تعبُدْ !
هامش
( 1 ) أبو الشهداء ص 55 .