« ونحن فيما اتَّسق لدينا من الأخبار عن الحسين عليه السلام وصفته ، نراه كيف كان يتحزَّم على نفسه بكل مظاهر القدوة الصالحة ، بحيث لا يَعدُو أن يكون مثالًا نبوياً في حدوده ومن شتى أقطاره .
ولقد انصرف بكل نفسه عن الدنيا وما إليها ، حتى قال زين العابدين عليه السلام لمن قال له : ما كان أقل ولد أبيك ! قال عليه السلام : العجب كيف ولدت له ، كان لا يفتر عن الصلاة في ليل أو نهار فمتى كان يتفرغ للنساء ؟
فهذا المَتحنَّث المُتأَلِّه في تأمله وإطراقه ، وتحركه وسكونه . هو الذي سنراه مجاهداً مكافحاً ومغامراً مستَميتاً حتى كأنه الأسد لا تُنال تلابيبه . فلم يكن يشغله أمر عن أمر ، ولا حاجة للَّهعن حاجة للناس . « 1 » ويضيف قائلًا :
« أرأيتم إلى الرجل يقوم على اسم اللَّه ويمضي على اسم اللَّه ويموت على اسم اللَّه ، كيف تسمو به الغاية ويعلو به الهدف . هو هدفٌ ولكن ليس من شهوات النفوس ، وغايةٌ ولكن ليس كمثلها الغايات ، غاية تحقِر كل ما في الحياة من أشيائها ، ولا ترى سِوَى الملكوت الأعلى هدفاً وسوى السماء مستقراً ، لأنه مَهدُها فلا بدع أن حنّشت إليه وطلبت اللَّحاق به فللناس أوطانهم ، وللناس حَنينهُم ، ولمثل هذه الشخصيَّة وطنُها ولها حنينها ، فهي تشُقُّ طريقها بين الجلامد والصُّخور ، راضيةً مرضيةً وماضيةً مطمئنَةً ، لأنها تناجي الأمنيَّة السامية وتَنشُد المثل الأعلى ، وهل وراء اللَّه مَطلب ؟ وهل إلى غير اللَّه مصير ؟ وهل بعد اللَّه حقيقة ؟
هذه مبادئُ الرجل المصطفى ، والرجل المختار . فلا عَجَب أن راح يطلبها في
هامش
( 1 ) سموّ المعنى ص 102 .