كما يدلّ على ذلك قوله تعالى : وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، فإنّ ذلك هو مقتضى ما يجب الاعتقاد به من العدل الإل - هي المطلق . وما جاء في بعض الأخبار ممّا يفهم منه خلاف ذلك ، كقول النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) :
« تَخَيَّروا لِنُطَفِكُمْ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَساسٌ »
يراد به : تأثير تلك الأمور على نحو الاقتضاء لاالعلّيّة التامّة ، بمعنى أنّها تجعل الإنسان أكثر عرضة وقابلية للانحراف ، لا بمعنى أنّها تسلبه اختياره وتجعله مجبوراً على المعصية ، ومن الممكن تقريب الفكرة التي ذكرناها بالنار مثلا ، فإنّها وإن كانت تؤثر في الإحراق ، إلّا أن ذلك يتوقّف على عدم المانع - كالرطوبة - وتحقّق الشرط - كاقتراب الورقة منها - وهكذا الإنسان ، فإنّ نطفته التي تكوّن منها إذا كانت من أصول خبيثة وإن كانت تجعله أكثر عرضة للانحراف من غيره ، إلّا أنّ تأثيرها يتوقّف على ابتعاده عن الطاعة وقربه من المعصية ، وهذا ما عنيناه عندما قلنا : بأنّ تأثيرها اقتضائي وليس على نحو العلّيّة التامّة .
49 - ما دام الله غنيّاً عن عبادتنا فلماذا خلقنا ؟
باسمه جلت أسماؤه : بما أنّ الوجود خيرٌ من العدم ، والنور خير من الظلام ؛ لذلك اقتضى كرمه المطلق ( تبارك وتعالى ) وفيضه الدائم إيجاد الإنسانفي هذا العالم ، ولو لم يوجده مع قدرته على إيجاده لكان ذلك بخلا لا يليق بساحة كرمه ، وقد تفضلّ ( تبارك اسمه ) فمنحَ الإنسان بعد إيجاده كلّ ما يوصله إلى أعلى درجات السموّ والكمال ،
كما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى : وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا « 1 » ، وبذلك يكون الخالق قد جمع بين العدل والجود معاً .
50 - يقول أحد الأشخاص :
بما أنّ الله تعالى يعلم قبل خلقنا عن الأشخاص الذين سوف يذهبون إلى النار ، والأشخاص الذين سوف يذهبون إلى الجنة ، فلماذا خلقَ
هامش
( 1 ) الشمس 91 : 7 - 10 . .