إذ لا معنى للهمّ بالذات والعزم عليها ، وعليه فإذا حملنا الهمّ في الآية على العزم ، فلابدّ من تقدير أمر محذوف يتعلّق العزم به ، وحينئذ يمكن أن نعلّق عزمها على الفاحشة - كما هو مقتضى الظاهر السياقي - ونعلّق عزمهعليه السلام على غير القبيح ، كضربها ودفعها عن نفسه ، فيكون معنى الآية : ولقد همّت بالفاحشة معه ، وهمَّ بضربها ودفعها عن نفسه ويمكن الاستئناس لهذا المعنى من خلال الاستعمالات العربيّة ، حيث يقال : هممتُ بفلان ، أي بضربه .
وعليه فيكون معنى رؤية البرهان : أنّ الله تعالى أعلمه أنّه إن أقدم على ما همَّ به من ضربها ، أهلكه أهلها وقتلوه ، وهذا محذور أوّل ، أو ادّعت عليه المراودة على القبيح ولما امتنعت ضربها ، فيكون عرضة للاتّهام بسوء السلوك ، وهذا محذور ثاني .
وبذلك يتّضح ذيل الآية الشريفة ، وهو : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ، فإنّ الله تعالى بإرائته البرهان المذكور ليوسفعليه السلام يكون قد دفع عنه كلا المحذورين .
460 - لماذا قال الله عزّ وجلّ مرّة : خَلَقَكُم مِن طِين « 1 »
، ومرّة : خَلَقَكُممِن تُرَاب « 2 » ؟
* باسمه جلت أسماوه المراد من خلق الإنسان من الطين هو خلق الإنسان الأوّل ، الذي هو نبيّ الله آدمعليه السلام ، وبما أنّ خلق غيره من سلالته منته إليه لذلك صحّ التعبير عن نوع الإنسان بأنّه مخلوق من الطين ، وبما أنّ الطين مركّب من ماء وتراب ؛ لذلك جاء التعبير عن الإنسان تارةً بأنّه مخلوق من تراب ، كما في قوله تعالى : خَلَقَكُم مِن تُرَاب ، وتارة أخرى بأنّه مخلوق من ماء ، كما في قوله
هامش
( 1 ) الأنعام 6 : 2 .
( 2 ) الروم 30 : 20 . فاطر 35 : 11 . غافر 40 : 67 . .