والأكثر إذا كان ذا عنوان يتميّز به عن غيره ، وغير قابل للانحلال بالظفر بالمقدار المعلوم ، فإنّ الواقع يكون متنجّزاً حينئذٍ بما له من الأفراد في الواقع ، كما لو علم بحرمة البيض من قطيع الغنم ، وتردّد البيض بين العشرة والعشرين ، فهل يتوهّم أحد جواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص بعد العلم تفصيلًا بحرمة عشرة منها ؟
والمقام من هذا القبيل ، فإنّ التكاليف المعلومة بالإجمال نعلم بوجودها في الكتب المعتبرة ، وعليه فبعد الظفر بالمقدار المعلوم إجمالًا ، لا يجوز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص .
نعم ، لو كان المعلوم بالإجمال من أوّل الأمر مردّداً بين الأقلّ والأكثر ، ولم يكن ذا علامة وتمييّز ، جاز الرجوع إلى البراءة في مثل ذلك بعد الظفر بالمقدار الأقلّ ، ولكن المقام ليس كذلك .
ويرد عليه : أنّ الميزان في عدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي هو التعارض ، وإذا كان المعلوم بالإجمال الذي له علامة وتمييّز ، مردّداً بين الأقلّ والأكثر ، وظفرنا بالمقدار المعلوم بالإجمال ، فلا مانع من جريان الأصول في سائر الأطراف لأنّها بلا معارض ، كما لا يخفى .
وإنْ شئت قلت : إنّ العلم بتعلّق التكليف بعنوان في التكاليف الانحلاليّة ، لا يوجب تنجّزه بالنسبة إلى جميع أفراده الواقعيّة ، بل التنجيز يدور مدار ذلك مع العلم بالصغرى . ألا ترى أنّ الشارع الأقدس حرّم الخمر والمكلّف عالمٌ بذلك ، ولكن ذلك لا يوجب تنجّزه في الموارد المشكوك فيها . وفي المقام وإنْ علم بوجود التكاليف في الأخبار المدوّنة في الكتب المعتبرة ، إلّاأنّ هذا العنوان له أفراد معلومة ، وأفراد ومصاديق مشكوك فيها ، وفي القسم الثاني تجري البراءة بلا كلام ولا إشكال .
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 143
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص١٤٣