أقول : استدلّ للثاني بوجهين :
أحدهما : انصراف النصوص عمّا دلّ الدليل على عدمه .
وفيه : أنّ الانصراف عمّا عُلم وجداناً خطأه لا إشكال فيه ، وأمّا الانصراف عمّا علم عدمه تعبّداً ، فلو سُلّم فهو بدوي لا اعتبار به .
الثاني : أنّه بالدليل المعتبر يُعلم بعدم الثواب عليه تعبّداً ، فكيف يمكن القول بشمول الأخبار له المتوقّف على احتمال الثواب ؟ !
وفيه : أنّ الموضوع بلوغ روايةٍ ضعيفة دالّة على ترتّب الثواب عليه ، مع الاحتمال الوجداني بالاستحباب كما مرّ ، وهذا لا ينفيه دليل التحريم ، فالأظهر شمول الأخبار له .
وعليه ، فيقع التعارض بين دليل الحرمة ودليل الاستحباب .
وقد يقال : - كما عن الشيخ الأعظم رحمه الله « 1 » في مبحث الغناء من « المكاسب » - بأنّه يقدّم الأوّل ، فإنّ دليل الاستحباب ، إنّما يتضمن ثبوت الحكم لوجود جهته المقتضية له ، مع عدم تحقّق ما يقتضي الإلزام بترك مورده ، فالفعل إنّما يتّصف بالاستحباب إذا خُلّي في طبعه عمّا يقتضي الحرمة ، فمع طروّ عنوان ملزمٍ لتركه ، يكون محرّماً ولا يقاومه دليل الاستحباب .
وفيه : ولكن ما ذكره يتمّ في موارد :
أحدها : ما إذا وقعت المزاحمة بين الدليلين في مقام الامتثال ، من دون أن يتصادقا على موردٍ واحد ، كما لو وقعت المزاحمة بين وجوب الصوم واستحباب قراءة القرآن ، إذا لم يتمكّن من الجمع بينهما ، إذ دليل الإلزام يكون معجزاً عن دليل الاستحباب .
هامش
( 1 ) المكاسب المحرّمة : ج 1 / 308 المسألة الثالثة عشر ( الغناء ) .