وعليه ، فلا يكون دليل نفي الحرج حاكماً على ما يقتضي الاحتياط : لأن الأحكام الواقعيّة متعلّقة بأفعال خاصّة ، مردّدة بين أطراف الشُّبهة ، وتلك الأفعال لا تكون حرجية كي ترتفع بأدلّة نفي الحرج ، ووجوب الاحتياط ليس حكماً شرعيّاً كي يرتفع بأدلّة نفي الحرج ، فلابدّ من الاحتياط وإن استلزم الضرر .
أقول : ويرد على ما أفاده أمران :
أحدهما : أنّ لسان دليل نفي الحرج ، ليس نفي الحكم بلسان نفي الموضوع ، فإنّه إنّما يكون فيما إذا كان الحكم مترتّباً على موضوعٍ ، وتعلّق النفي بنفس ما تعلّق به الحكم ، كما في مثل : « لا ربا بين الوالد والولد » ، فإنّ الربا بنفسه متعلّق للحرمة ، فالرواية الشريفة تنفي حكمه بلسان نفيه . وأمّا في المقام فالفعل الحرجي لم يُذكر في الدليل ، وإنّما المذكور فيه هو الحرج ، وليس ذلك عنواناً للفعل ، ليكون النفي راجعاً إليه ، فلا محالة يكون مفاد تلك الأدلّة ما أفاده الشيخ الأعظم رحمه الله ، فتكون حاكمة على قاعدة الاحتياط .
ثانيهما : أنّ قاعدة نفى الحرج تكون حاكمة على قاعدة الاحتياط ، حتّى على مسلك المحقّق الخراساني في مثل المقام ، ممّا كانت أطراف الشُّبهة من التدريجيّات ، إذ الحرج لا محالة يكون في الأفراد الأخيرة ، وعليه :
فإنْ كان الحكم في الواقع مترتّباً على الأفراد المتقدّمة ، فقد امتثله المكلّف على الفرض .
وإنْ كان متعلّقاً بالأفراد الأخيرة ، كان متعلّقة حَرَجيّاً ، فيرتفع بقاعدة نفي الحرج .
وإنْ شئت قلت : إنّه في التدريجات لو احتاط في أطراف الشُّبهة المتقدّمة إلى أن وصل إلى حدّ الحرج ، يعلم بعدم ثبوت الحكم في أطراف الشُّبهة المتأخّرة : إمّا
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 218
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٢١٨