وبذلك يظهر : أنّ ما أفاده في « النهاية » « 1 » من جعل كلٍّ من الضررين دليلًا مستقلّاً على المطلب ، هو الأحسن في التقريب .
وكيف كان ، فلو انضمّ إلى ذلك الكبرى الكليّة - وهي لزوم دفع الضرر المظنون ، لاستقلال العقل بذلك - يستنتج حجيّة الظنّ .
وأجيب عنه بأجوبة :
الجواب الأوّل : ما عن الحاجبي « 2 » وتابعيه ، من منع الكبرى ، لأنّ لزوم دفع الضرر المظنون إنّما يبتني على القول بالتحسين والتقبيح العقليّين ، ولا نقول به ، إذ غاية ما يمكن أن يقال كون ذلك احتياطاً مستحسناً لا واجباً .
ويرد عليه أوّلًا : إنّه لا سبيل إلى إنكار لزوم الحكم المذكور ، بعد اطباق العقلاء عليه في جميع أمورهم ، ولذا استدلّ به المتكلّمون على وجوب شُكر المُنعم ، الذي هو الأساس لوجوب معرفة اللَّه تعالى ، واستدلّوا به أيضاً لوجوب النظر إلى معجزة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
وثانياً : أنّ ملاك وجوب دفع الضّرر المظنون ، ليس هو التحسين والتقبيح العقليّين ، بل ملاكه كون الضرر منافراً للطبع ، والفرار من ما ينافر الطبع ممّا يستقلّ به العقل ، أمّا ملاك التحسين والتقبيح العقليّين فهو كون بعض الأفعال على وجهٍ يحسُنُ فاعله ويُمدح عليه ، وبعضها الآخر على نحوٍ يُقبح عليه ويُذمّ ، ولا ربط لأحدهما بالآخر ، ولذلك اتّفق العقلاء على لزوم دفع الضرر المظنون ، مع خلافهم في استقلاله بالتحسين والتقبيح العقليّين .
وأمّا ما أجاب به الشيخ الأعظم « 3 » : من أنّ تحريم تعريض النفس للمهالك
هامش
( 1 ) حكاه عن النهاية الشيخ الأعظم في فرائد الأصول : ج 1 / 175 .
( 2 ) حكاه عن النهاية الشيخ الأعظم في فرائد الأصول : ج 1 / 175 .
( 3 ) فرائد الأصول : ج 1 / 176 .