في التجرِّي بارتكاب ما قَطع أنّه من مصاديق الحرام ، كما إذا قطع مثلًا بأنّ مائعا خمرٌ مع أنّه لم يكن خمراً ، فإنّ شرب الخمر منتفٍ بانتفاء موضوعه ، وشُرب الماء ممّا لم يقصده ، فلم يصدر منه فعلٌ بالإرادة والاختيار ، إذ ما قصده لم يقع ، وما وقع لم يقصده .
وأجاب عنه بعض المحقّقين بما حاصله : أنّ البرهان المذكور إنّما يتمّ بالنسبة إلى الخصوصيّات ، ولا يتمّ في الجامع ، فإنّه مَنْ شرب المائع باعتقاد أنّه خمرٌ يعلم أنّه مصداقٌ للجامع ، وهو شرب المائع ، وقادرٌ على تركه ، فكيف يمكن أن يقال إنّه شرب المائع بلا اختيار ؟ ! ألا ترى أنّ من قَتَل شخصاً باعتقاد أنّه زيدٌ فبانَ أنّه عمرواً ، فإنّه لا شبهة في أنّه قتل إنساناً اختياراً .
وفيه أوّلًا : إنّه مع الإغماض عن كون نسبة الطبيعي إلى الأفراد نسبة الآباء إلى الأبناء ، لا نسبة أبٍ واحد إلى الأبناء ، وعليه فكلّ فردٍ من أفراد المائع له حصّة من الطبيعي ، والحصّة التي تكون في ضمن الخمر وإنْ تعلّقت إرادة الشارب بها ، إلّا أنّها لم توجد ، ولا واقع لها ، والحصّة المتحقّقة لم تتعلّق الإرادة بها حتّى يكون صدورها اختياريّاً .
وثانياً : لو سُلّم كون نسبته إليها نسبة الأب الواحد إلى الأبناء ، إلّاأنّ الطبيعي في ضمن الخاص إنّما يتعلّق به الإرادة بالعرض ، وإلّا فهي متعلّقة بالخاص ، وكلّ ما بالعَرَض لابدّ وأن ينتهي إلى ما بالذّات ، وحيثُ أنّ الخصوصيّة التي أريدت ونُسِبت الإرادة إلى الطبيعي الموجود بالعَرَض لم توجد ، والخصوصيّة الأخرى لم تتعلّق بها الإرادة كي تُنسب إلى الطبيعي بتبعه ، والمفروض أنّ الجامع لم يتعلّق به الإرادة رأساً وبما هو ، فلا محالة لا يكون الجامع اختياريّاً .
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 416
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٤١٦