ولذا لا يختصّ ذلك بالإنسان ، بل الحيوان بما أنّه بفطرته يحب نفسه ، يتحرّك نحو ما يراه نفعاً له ، ويحذر عمّا يراه ضرراً عليه ، وهذا التحرّك تكويني لا انبعاث تشريعي .
وأمّا القول الثالث : وهو القول بأنّ حجيّة القطع إنّما تكون ثابتة ببناء العقلاء ، والأحكام العقلائيّة عبارة عن القضايا المشهورة التي تطابقت عليها آراء العقلاء حفظا للنظام ، وإبقاءً للنوع ، لحُسن العدل وقبح الظلم والعدوان .
فيردّه : أنّ وجوب العمل على طبق القطع كان ثابتاً حينما لم يكن في العالم إلّا بشرٌ واحد ، ولم يكن نوعٌ ليكون العمل على طبقه لحفظه ، وإنْ شئت فاختبر ذلك بفرض نفسك ذلك البشر .
* * * النهي عن العمل بالقطع
النهي عن العمل بالقطع
وأمّا المقام الثالث : فالحقّ عدم إمكان النهي عن العمل به ، وذلك لوجهين :
الوجه الأوّل : لزوم التناقض اعتقاداً مطلقاً ، وواقعاً في صورة الإصابة .
وبعبارة أخرى : المكلّف لا يتمكّن من تصديق النهي عن العمل به ، بعد تصديقه بحرمة الفعل ، كما لو علم بحرمة الخمر ، إذ النهي عن العمل به إذنٌ في الفعل ، وهو لا يجتمع مع الحرمة .
وإنْ شئت قلت : إنّ الحرمة عبارة عن الزَّجر عن الفعل ، مع عدم الترخيص في الفعل ، فالترخيص فيه مع الحكم بالحرمة متناقضان ، والمكلّف بعد إذعانه بالأوّل غير متمكّن من الإذعان بالثاني .
أقول : وقد أورد على هذا التقريب بإيرادين :