الأمر الثاني : انه إذا دار أمر ما عُلم خروجه عن حكم العام بين فردين :
أحدهما فردٌ للعام ، والآخر ليس فرداً له ، كما إذا ورد : ( لا تُكرم زيداً ) وتردّد زيدٌ بين زيد العالم وغيره ، فهل يجوز التمسّك بأصالة العموم لإثبات وجوب إكرام زيد العالم ، أم لا يجوز ؟ فيه وجهان :
أظهرهما الأوّل ؛ لفرض أنّ الشكّ يكون في خروج فردٍ من العام المعلوم فرديّته عن حكم العام ، وبذلك يثبت أنّ زيد الجاهل محكومٌ بعدم وجوب الإكرام .
والسرّ في ذلك : ما تقدّم من أنّ مورد التمسّك بأصالة العموم ، العلم بالفرديّة والشكّ في الحكم ، وإنّما لم نتمسّك بها في المسألة السابقة ، من جهة أنّه كان هناك الحكم معلوماً ، وكان الشكّ في الفرديّة ، وفي هذه المسألة الأمر بالعكس .
واستدلّ للقول الثاني : بأنّ العلم الإجمالي بحرمة إكرام أحدهما المردّد بين العالم والجاهل ، موجبٌ لترك إكرامهما ، وأصالة العموم لا توجب انحلاله ، لعدم تكفّلها لبيان حال الأفراد ، بخلاف الأمارة القائمة على أنّ زيد العالم يجب إكرامه .
وفيه : إنّ لأصالة العموم مدلولين : مطابقيّاً والتزاميّاً ، والأوّل وجوب إكرام زيد العالم ، والثاني انتفاء الحرمة عنه ، وإثباتها لزيد الجاهل باعتبار حجيّتها في مثبتاتها ، فلا محالة ينحلّ العلم الإجمالي بعلمين تفصيليّين ، هما : العلم بوجوب إكرام زيد العالم ، والعلم بحرمة إكرام زيد الجاهل .
اللّهُمَّ إلّاأن يقال : إنّه لا إطلاق لدليل حجيّة أصالة العموم ، ليثبت به حجيّتها في مثبتاتها كما تقدّم ، فتدبّر فإنّ المسألة غير خالية عن الإشكال .
* * *
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 276
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٢٧٦