وأمّا بحسب مقام الدلالة والإثبات ، فالروايتان الدالّتان على الحكمين متعارضتان ، إذا أحرز أنّ المناط من قبيل الثاني ، فلابدّ من عمل المعارضة حينئذٍ بينهما من الترجيح والتخيير ، وإلّا فلا تعارض في البين ، بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين ، فربما كان الترجيح مع ما هو أضعف دليلًا لكونه أقوى مناطاً ، فلا مجال حينئذٍ لملاحظة مرجّحات الروايات أصلًا ، بل لابدّ من مرجّحات المقتضيات المتزاحمات كما يأتي الإشارة إليها . نعم ، لو كان كلّ منهما متكفّلًا للحكم الفعلي ، لوقع بينهما التعارض ، فلابدّ من ملاحظة مرجّحات باب المعارضة ، لو لم يوفّق بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجّحات باب المزاحمة ) انتهى .
وربما يورد عليه : بالتنافي بين قوله في هذا الأمر : ( فالروايتان الدالّتان على الحكمين متعارضتان إذا أحرز أنّ المناط من قبيل الثاني ) .
وبين قوله في الأمر اللّاحق : ( وكلّما لم يكن هناك دلالة عليه ، فهو من باب التعارض ) ، إذ لازم الأوّل هو إجراء أحكام التزاحم عند الشكّ في ثبوت المقتضي للحكمين ، ولازم الثاني هو إجراء أحكام التعارض .
أقول : ولكن الظاهر عدم وجود صورة شكّ في ذلك ، كي يكون على الأوّل مورداً لإجراء أحكام التزاحم ، وعلى الثاني مورداً لإجراء أحكام التعارض ، وذلك لأنّ دليلي الحكمين إن لم يكن لهما إطلاق ، أو كان لأحدهما خاصّة ، لم يكونا من المتعارضين ولا المتزاحمين ، وإن كان لكلّ منهما إطلاق :
فإن علم بكذب أحدهما ، كان من باب التعارض مطلقاً على كلا المسلكين .
وإن لم يعلم بكذب أحدهما :
فعلى القول بالجواز يعمل بكلا الدليلين :
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 443
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٤٤٣