الصورة الأولى : ما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر ، فلا كلام ولا نقاش في أنّه يُقدّم الأهمّ ، سواء كان الأهمّ مقارناً زماناً مع المهمّ ، أو سابقاً عليه ، أو متأخّراً عنه .
أمّا في الأولين : فواضح ، لأنّ المهمّ بالنسبة إلى الأهمّ ، يكون من قبيل المستحبّ بالنسبة إلى الواجب ، فكما أنّ المستحبّ لا يصلح أن يزاحم مع الواجب ، كذلك المهمّ لا يصلح لأن يزاحم الأهمّ .
وإن شئت قلت : إنّ العقل الحاكم في باب الإطاعة والعصيان مستقلٌّ بتقديم الأهمّ .
وبعبارة أخرى : إنّ التكليفين المتزاحمين لا يمكن ثبوتهما ، ولا سقوطهما معاً ، كذلك لكونه بلا موجب ، فيدور الأمر بين سقوط المهمّ دون الأهمّ ، وبالعكس ، والثاني غير معقول ، لكونه ترجيحاً للمرجوح على الراجح ، فيتعيّن الأوّل .
وأمّا في الفرض الأخير : فلأنّ الأهمّ وإن كان متأخّراً زماناً ، إلّاأنّ ملاكه تامّ في ظرفه على الفرض ، إمّا من جهة أنّ الواجب المعلّق ممكن ، فيستكشف من الوجوب الفعلي تماميّة الملاك ، أو من جهة الاستفادة من الخارج ، كما في حفظ النفس المحترمة ، وحفظ بيضة الإسلام وأمثال ذلك ، على القول باستحالة الواجب المعلّق ، كما عليه المحقّق النائيني رحمه الله ، وعلى كلّ تقدير يجب حفظ القدرة عليه في وقته لئلّا يفوت ، إذ العقل كما يستقلّ بقبح تفويت الواجب الفعلي ، كذلك يستقلّ بقبح تفويت الملاك الملزم في ظرفه ، وعليه فحيث أنّ إتيان المهمّ فعلًا يوجب تفويت ملاكالأهمّ في ظرفه ، فلا يجوز ، فيكون وجوب حفظ القدرة عليه في زمانه الذي يحكم به العقل معجِزاً للمكلّف بالإضافة إلىامتثال المهمّ بالفعل .
وعلى الجملة : العقل الحاكم بالتقديم لا يفرّق بين الموردين ، فلو فرضنا أنّه دار
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 350
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٣٥٠