أقول : ما أفاده صاحب « الفصول » خلافاً للمشهور بين الأصحاب من بطلان الوضوء في الفرض تامّ ، وإيراد المحقّق النائيني رحمة الله عليه غير صحيح .
بيان ذلك : بالرغم من أنّه لا ريب في اعتبار القدرة شرعاً في وجوب الوضوء ، ولازمه عدم الملاك له مع عدم القدرة ، بخلاف موارد دخل القدرة عقلًا ، إلّاأنّ المعتبر هو القدرة في ظرف العمل والامتثال ، ولذلك لا شبهة في أنّه لو فرض تجدد القدرة التكوينيّة بعد كلّ غَسلةٍ للغَسلة اللّاحقة عليها ، كما لو كان عنده من الماء ما يكفي لغَسل وجهه ، وشَرع في الوضوء رجاءً لنزول المطر ، ونزل بعد غَسل الوجه وغَسل يديه به ، أو كان عنده ثلج يذوب شيئاً فشيئاً ولم يكن عنده إناء ليجمعه فيه ، وجب عليه الوضوء ، ولا ينتقل وظيفته إلى التيمّم .
وإذا ضمّ إلى ذلك أمران :
أحدهما : أنّ الشرط المتأخّر ممكن ، فلا مانع من كون القدرة حين الغَسلة الأخيرة شرطاً لوجوب الوضوء من أوّل غسل الوجه .
ثانيهما : إمكان الترتّب ، حيث يستنتج من ذلك صحّة الوضوء بالماء المأخوذ من ذلك الإناء بالإغتراف ، لأنّ المكلّف بعد اغترافه الماء قادرٌ على الوضوء بمقدار غَسل الوجه ، وبما أنّ عليه ارتكاب المحرم ثانياً وثالثاً إلى أن يتمّ الوضوء ، يعلم بطروّ التمكّن والقدرة عليه من غَسل سائر الأعضاء ، وعليه فلا مانع من الالتزام بثبوت الأمر به مترتّباً على عصيانه .
وأولى من ذلك : صورة عدم انحصار الماء في الأواني المزبورة ، إذ يصحّ الوضوء بالإغتراف من الأواني حتّى على القول باعتبار القدرة الفعليّة على الغَسلات الثلاث ، وعدم كفاية القدرة التدريجيّة ، لفرض أنّ المكلّف متمكّنٌ من
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 328
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٣٢٨