فدعواه وإنْ كانت معقولة ، وقد اختاره المحقّق النائيني رحمه الله « 1 » ، ولكنّها غير صحيحة ؛ وذلك لأنّ النهي ناشئٌ عن المفسدة ، والأمر عن المصلحة ، فالأمر بالشيء يكشف عن المصلحة فيه ، وهذا لا يلازم ثبوت المفسدة في تركه كي يكون ذلك مقتضياً للنهي عنه ، بل لا يكون الترك إلّاترك ما فيه المصلحة .
وإن أردت أن تطمئن نفسك فراجع الأوامر العرفيّة ، حيث ترى بالوجدان أنّ الأمر بالشيء لا يلازم المفسدة في تركه ، فالالتزام باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه ، بإرجاع كلّ أمرٍ إلى حُكمين ؛ أحدهما متعلّق بالفعل ، والآخر بتركه ، ويكون الترك مخالفة لحكمين ، وموجباً لاستحقاق عقابين ، ممّا لا يمكننا المساعدة عليه .
أقول : وبما ذكرناه يظهر حال ما أفاد المحقّق النائيني رحمه الله « 2 » وما فيه : من أنّ دعوى الدلالة عليه بالالتزام بنحو اللّزوم البيّن بالمعنى الأخصّ ، بأن يكون تصوّر الوجوب كافياً لتصوّر المنع من الترك ، فليست ببعيدة .
وعلى تقدير التنزّل عنها ، فالدلالة الالتزاميّة باللّزوم البيّن بالمعنى الأعمّ ، ممّا لا إشكال فيها ولا كلام .
ويمكن توجيه دعوى الملازمة بأن يقال : إنّ المراد من النهي عدم الترخيص ، وعليه فحيث أنّ الإلزام بالفعل يضادّ الترخيص في الترك ، فالأمر بالفعل يلازم عدم الترخيص في الترك ، لكنّه لا يناسب أن ينعقد له بحثٌ مستقلٌّ في الأصول .
فالمتحصّل : أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه مطلقاً .
* * *
هامش
( 1 ) ( و 2 ) أجود التقريرات : ج 2 / 7 قوله : ( وأمّا دعوى الدلالة عليه بالالتزام . . . فليست ببعيدة ) .
( 2 )