النهي عن ضدّه أم لا - وبين هذا الدليل ، وحاصله أنّه إذا ورد أمر بالفعل ونهيٌ عن الترك فهما متّحدان لا تغاير بينهما ، وهذا لا يلازم الأوّل ، كيف ربما يغفل الآمر عن ترك تركه فضلًا عن أن يأمر به .
أقول : ويمكن تصحيح قول من يدّعي أنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه ، بأن يقال إنّ المراد بالعينيّة أنّه إذا رأى المولى في فعل مصلحةً ، وصار ذلك سبباً لشوقه إلى تحقّق ذلك الفعل ، فله في الوصول إلى مقصودة طريقان ، وكلّ منهما عين الآخر في الوصول إلى الغرض :
أحدهما أن يأمر بالفعل ، ثانيهما أن ينهى عن الترك ، كما ورد في المستحاضة أنّها لا تدَع الصلاة .
قال المحقّق الخراساني رحمه الله « 1 » : في مقام توجيه المدّعى بوجه لطيف ، وحاصله :
أنّ الأمر بالشيء إنّما يكون طلباً واحداً ، وهو كما يكون حقيقةً منسوباً إلى الوجود ، وبعثاً وتحريكا نحوه ، كذلك يصحّ أنْ ينسب إلى الترك بالعَرَض والمجاز ، لأنّ التحريك نحو الشيء والتقريب إليه ، يلازم التحريك عن نقيضه والبُعد عنه ، كما يظهر من التحريك والتقريب الخارجيّين ، فإنّ التحريك والتقريب إلى محلّ يكون تحريكاً وبُعداً عن محلٍّ آخر ، فيكون الأمر بالشيء ردعاً عن نقيضه .
أضف إلى ذلك : أنّه لو سُلّم أنّ حقيقة النهي عبارة عن طلب الترك ، كما هو المنسوب إلى المشهور ، فلا يرجع هذا البحث إلى البحث عن أمر معقول ذي أثر ، وذلك لأنّ معنى اقتضائه للنهي عن الضدّ ، اقتضائه لطلب ترك الترك الذي هو الوجود والفعل ، لما حُقّق في محلّه ، من أنّ الوجود والعدم نقيضان لا واسطة
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 133 .