وهذا هو السبب في البداء في أمور العالم ، فإذا اتّصلت نفس النبيّ صلى الله عليه وآله أو الإمام صلى الله عليه وآله بتلك القوى فرأى فيها بعض تلك الأمور ، فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه أو شاهده بنور بصره ، أو سمعه بأذن قلبه .
وأمّا نسبة ذلك كلّه إلى اللَّه تعالى ، فلأنّ كلّ ما يجري في العالم الملكوتي ، إنّما يجري بإرادة اللَّه تعالى ، بل فعلهم بعينه فعل اللَّه ، فكلّ كتابة تكون في هذه الألواح فهو أيضاً مكتوب للَّهتعالى بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأوّل ، فيصحّ أن يصف اللَّه نفسه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار .
رابعها : ما عن الفاضل المدقّق الميرزا رفيعا « 1 » ، وحاصله :
( إنّ الأمور كلّها منتقشة في اللّوح ، والفائض منه على الملائكة والنفوس العلويّة والنفوس ، السفليّة ، قد يكون الأمر العام ، أو المطلق المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة ، ويتأخّر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه ، وهذه النفوس العلويّة وما يشبهها يُعبّر عنها بكتاب المحو والإثبات ، والبداء عبارة عن هذا التغيّر في ذلك الكتاب ) .
خامسها : ما اختاره المحقّق المجلسي رحمه الله « 2 » ، وحاصله :
( إنّ المعصومين عليهم السلام إنّما بالغوا في البداء ردّاً على اليهود - الذين يقولون إنّ اللَّه قد فرغ من الأمر - وعلى النظّام وبعض المعتزلة - القائلين إنّ اللَّه خلق الموجودات دفعةً واحدة ، والتقدّم إنّما يقع في ظهورها - وعلى بعض الفلاسفة -
هامش
( 1 ) وهو الميرزا رفيع الدين محمّد بن حيدر الطباطبائي النائيني المشتهر ب الميرزا رفيعا ، المتوفّى 1080 تقريباً والمدفون بأصفهان ، وكان من مشاهير علماء عصره ، والمتبحّرين في الحكمة والكلام ، تتلمذ على يد العلّامة الشيخ بهاء الدِّين العاملي ، له عدّة مؤلّفات ؛ منها شرح أصول الكافي ، ورسالة التشكيك وغيرهما . راجع الذريعة : ج 11 / 148 ، وج 13 / 96 . وأمّا نصّ كلامه في البداء فمذكور في « شرح أصول الكافي » : ج 4 / 250 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 4 / 128 باب البداء والنسخ .