الجبر ، من جهة أنّه صوّر القضاء والقدر واستنتج نتيجته ، وهي : إنّ إرادة اللَّه تعالى الأزليّة التي لا تتخلّف عن المراد ، متعلّقة بأفعال الإنسان ، وكان لازم ذلك ارتفاع الحسن والقبح ، ولذلك لمّا سمع الشيخ منه عليه السلام كون المسير بقضاء وقدر ، قال وهو في حال اليأس : ( عند اللَّه أحتسبُ عنائي ) ، أي فعلي هذا كان مسيّراً - من حيث تعلّق إرادة اللَّه تعالى - غير اختياري لي ، فلم يبق لي إلّاالعناء والتعب ! ! .
فأجابه عليه السلام بأنّك تظنّ أنّه كان قضاءاً حتماً وقدراً لازماً ، لا دخل لاختيار العبد وإرادته فيه ، فالأمر ليس كذلك بل العبد مختار في فعله .
فالقضاء والقدر عبارة عن الأمر والحكم ، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية كما صرّح بذلك في رواية أخرى « 1 » في ذيل هذا الحديث .
ثمّ أخذ عليه السلام ببيان الأصول العقلائيّة المبنيّ عليها أساس التشريع ، إلى أن قال :
( ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً ) ، والظاهر أنّ المراد به أنّه لم يعص والحال أنّ عاصيه مغلوبٌ بالجبر ، ولم يطَعَ والحال أنّ طوعه مكروه للمطيع .
وأمّا قوله : ( ولكان المذنب أولى بالإحسان . . . ) الخ ، فالظاهر أنّه عليه السلام أشار بذلك إلى مطلب دقيق ، وهو أنّه على مسلك الجبريّة بما أنّ ذات المذنب اقتضت الإحسان في الدُّنيا باللّذات ، فينبغي أن تكون في الآخرة أيضاً كذلك ، لعدم تغيّر الذّات في النشأتين ، وبما أنّ ذات المطيع اقتضت المشقّة في الدُّنيا ، وإيلام المطيع بالتكاليف الشاقّة ، فينبغي أن تكون في الآخرة أيضاً كذلك .
ثمّ أشار عليه السلام إلى بعض المطالب الدقيقة لا يقتضي المقام شرحها ، ثمّ أبطل التفويض بقوله : ( لم يملك مفوّضاً ) .
هامش
( 1 ) البحار : ج 5 ، أبواب العدل ، باب 1 نفي الظلم والجور عنه تعالى وإبطال الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين وإثبات الاختيار والاستطاعة ، وفيه 112 حديثاً ، وغيره من الأبواب .