تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أجل يا شيخ ، ما علوتم تلعةً ، ولا هبطتم بطن وادٍ ، إلّا بقضاء من اللَّه وقدر . فقال له الشيخ : عند اللَّه احتسبُ عَنائي يا أمير المؤمنين ؟ فقال له : مَهْ يا شيخ ! فواللَّه لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم مُقيمون ، وفي منصرفكم وأنتم مُنصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مُكرَهين ولا إليه مضطرّين ! فقال له الشيخ : كيفَ لم نكن في شيءٍ من حالاتنا مكرَهين ، ولا إليه مضطرّين ، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟ فقال عليه السلام له : وتظنّ أنّه كان قضاءاً وقدراً لازماً ، إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والأمر والنهي ، والزجر من اللَّه ، وسقط معنى الوعد والوعيد ، فلم تكن لائمةٌ للمُذنب ، ولا مَحْمَدةٌ للمُحسن ، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب ، تلك مقالة إخوان عَبَدة الأوثان ، وخُصماء الرحمن ، وحزب الشيطان ، وقدريّة هذه الامّة ومجوسها ، إنّ اللَّه تبارك وتعالى كلّف تخييراً ، ونهى تحذيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يعص مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً ، ولم يملّك مفوّضاً ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا ، ولم يبعث النبيِّين مبشِّرين ومُنذرين عبثاً ، ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ » ، الحديث . أقول : فانظر إلى هذه الرواية أيّها الطالب للحقيقة ، كيف جمع فيها تحقيقات دقيقة ، ونفى الجبر والتفويض بالبرهان ، وذكر التوالي الفاسدة المترتّبة على الجبر ، وذلك أنّه لمّا سأله الشيخ عن مسيرهم إلى الشام أبقضاء من اللَّه وقدر ، أجابه عليه السلام بأنّ كلّ ما فعلتم كان بقضائه وقدره ، فتوهّم الشيخ من هذه الجملة