البحث عن الأمر بين الأمرين
البحث عن الأمر بين الأمرين
إذا عرفت فساد قول هاتين الطائفتين - أي قول الجبريّة ، والمفوّضة - وشناعة مقالتيهما وأدلّتهما ، يصل الدور إلى البحث عن حقيقة الطائفة الثالثة ومقالتها وأدلّتها ، فنقول :
الحقّ هو القول بالأمر بين الأمرين الذي هو الخير كلّه ، وقد مرّ تقريبه وتوضيحه بالمثال ، ففعل العبد الاختياري وسطٌ بين الجبر والتفويض ، لأنّه بعدما عرفت من نفي الجبر والتفويض بالبرهان العقلي ، فالأفعال الاختياريّة الصادرة عن العباد ، بما أنّها تصدر منهم بالاختيار ، وليس في صدورها منهم قهرٌ وإجبار ، فهم مختارون فيها ، والأفعال تستند إليهم ، وهم الموجدون لها .
وبما أنّ فيض الوجود والقدرة وسائر المبادئ يكون بإفاضة اللَّه تعالى آناً فآناً ، بحيث لو انقطع الفيض لما تمكّن العبد من إيجاد الفعل ، يصبح الفعل مستنداً إليه تعالى .
وكلّ من الاسنادين حقيقي ، فالعلم يُنادي بأعلى صوته موافقاً لمذهب الحقّ أنّه : ( لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين الأمرين ) .
أقول : فضلًا عمّا قيل فإنّ الآيات القرآنيّة كما مرّ ناظرة إلى هذا المعنى ، وإنّ اختيار العبد في فعله لا يمنع من نفوذ قدرة اللَّه وسلطانه .
وما حقّقناه وأوضحناه وأوضحنا المنزلة بين المنزلتين ووفيّنا دليلها ، دقيقة غامضة تكون من أسرار العلوم الإلهيّة ، وخلاصة الفلسفة الحقّة ، مأخوذة عن