وأمّا الثاني : فقد انكشف لدى البصائر المستنيرة ، أنّ الشمس والقمر والغيم والمطر والأرض ، وكلّ حيوانٍ وجماد مسخّرات بأمره تعالى ، ومقبوضات بقبض قدرته ، كالقلم الذي هو مسخّرٌ للكاتب وعلمه وإرادته وقدرته وقوّته التي في عصبه وإصبعه ، كما أنّ علمه ومشيئته واردتان من خزائن غيب الملكوت ، وكتابة قلم اللّاهوت على ترتيبٍ ونظامٍ وتقدُّمٍ وتأخّر من الأعلى فالأعلى إلى الأدنى ، حتّى انتهى أثر القدرة من إحدى حاشيتي الوجود إلى الأخرى من القلم الأعلى إلى القصب الأدنى .
وهذا ممّا يشاهده من انشرح صدره بنور اللَّه ، ويسمع بسمعه المنوّر ، من يُدرك ويفهم تسبيح الجمادات وتقديسها ، وشهادتها على أنفسها بالعجز والسخرية بلسان ذلق ، أنطقها اللَّه به الذي أنطق كلّ شيء ، بلا حرف وصوت ما لا يسمعه « إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ » « 1 » .
فقال بعض الناظرين من هذا المشكاة للكاغذ « 2 » وقد رآه اسودَّ وجهه : ( لِمَ تُسَّود وجهك ، وتشوَّش بياضك بهذا السواد ) ؟
فقال بلسان الحال : سَلُوا هذا المداد الذي ورد عليَّ ، وغيّر هيئتي وجِبلّتي .
فقال للمداد : لِمَ فعلتَ ذلك ؟
فقال : كنتُ مستقرّاً في قعر الدواة ، لا صعود لي بنفسي عن ذلك القعر ، فورَدَتْ عليَّ قصبةًتُسمّىالقلم ، فرقاني من مقعري ، ولولا نزوله ما كان لي صعود .
فقال للقلم : لِمَ فعلتَ ذلك ؟
فقال : كنتُ قصباً ثابتاً في بعض البقاع ، لا حركة منّي ولا سعي ، فوردَ عَليَّ
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : الآية 212 .
( 2 ) الكاغذ من الألفاظ الفارسيّة ومعناها الورق .