لكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضّلال ، منعهم المعاونة واللّطف وخلّى بينهم وبين اختيارهم » « 1 » .
وقريبٌ منه غيره .
الخامس - وهو أحسن الوجوه ، أنّه إذا ضلَّ الإنسان باختياره عند حضور شيء ، من دون أن يكون ذلك علَّة لضلاله ، بل غايته كونه من مقدّماته البعيدة وعلله المعدّة ، يقال إنّه أضلّه ، كما في قول اللَّه تعالى في حقّ الأصنام : « رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ » « 2 » ، أي ضلّوا بهن ، وقال : « وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا » « وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا » « 3 » ، أي ضلّ بهم كثيرٌ من الناس .
والإضلال بهذا المعنى منسوبٌ إلى اللَّه تعالى ، نظراً إلى أنّ الأفعال الاختياريّة الصادرة عن الإنسان لها مبادئ خارجة عن دائرة اختياره ، كوجود الإنسان وحياته ، وإداركه للفعل وشوقه إليه ، وملائمة ذلك الفعل لقوّةٍ من قواه ، وقدرته على إيجاده ، وهذه المبادئ موجدها هو موجد الإنسان نفسه ، وقد ثبت في محلّه أنّ بقاء الأشياء واستمرارها في الوجود محتاجٌ إلى المؤثّر في كلّ آن .
وعلى هذا فالكفر والفسق إذا صدرا عن العبد باختياره ، بما أنّ مبادئهما من قبل اللَّه تعالى ، فلذلك يصحّ أن ينسبا إليه تعالى .
وبذلك يظهر الجواب عمّا أورد على القرآن المجيد بأنّه : ( قد يسند الفعل إلى العبد واختياره ، وقد يسند الأفعال إلى اللَّه تعالى ، وهذا تناقض واضح ) .
* * *
هامش
( 1 ) عيون أخبار الرضا عليه السلام : ج 1 / 123 ح 16 باب 11 ما جاء عن الرضا عليه السلام من الأخبار في التوحيد ، بحار الأنوار : ج 5 / 11 ح 17 باب 1 نفي الظلم والجور عنه تعالى .
( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 36 .
( 3 ) سورة نوح : الآية 23 و 24 .