المراحل والمقامات ، فوقع في الحيرة حيث لم يعلم قلماً إلّامن القصب ، ولا لوحاً إلّا من العظم والخشب ، ولا خطّاً إلّابالحبر ، ولا سراجاً إلّامن النار ، وكان يسمع في هذا المنزل هذه الأسامي ولا يشاهد شيئاً من مسمّاها .
فقال له العلم : زادُك قليل ، وبضاعتك مزجاة ، ومركبك ضعيف ، فالصَّواب لك أن تؤمن بهذه المسمّيات إيماناً بالغيب ، وتنصرف وتَدَع ما أنت فيه ! .
فلمّا سمع السالك ذلك ، استشعر قصور نفسه ، فاشتغل قلبه ناراً من حِدة غضبه على نفسه ، لمّا رآه بعين النقص ، ولقد كان زيته في مشكاة قلبه يكادُ « يُضِىءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ » « 1 » ، لقوّة استعداد كبريائيّته في مادّته ، فلمّا نفخ فيه العلم بحدّته اشتعل زيته ، فأصبح نوراً على نور .
فقال له العلم : اغتنم الفرصة ، وافتح بصرك فلعلّك تجد على هذه النّار هدى ! .
ففتح بصره فرأى القلم الإلهي ، كما سمع نعته من العلم أنّه ليس من قصب ولا خشب ولا له رأس وذنب ، وهو يكتب على الدوام في صحائف قلوب الأنام أصناف العلوم والحقائق ، وكان له في كلّ قلبٍ رأس ولا رأس له ، فقضى منه العجب ، فودّع عند هذا العلم وشَكَره وقال : لقد طالَ مقامي عندك ، وأنا عازمٌ على السفر إلى حضرة القلم .
فلمّا جاءه وقصَّ عليه القصص ، وسأله ما بالك تخطّ على الدوام في القلوب من العلوم ، ما تبعث به الإرادات إلى أشخاص القدرة وصرفها إلى المقدورات ؟
فقال : لقد نسيت مارأيتَ فيعالمالملك وسمعته منجوابالقلم عن سؤالك .
قال : لم أنس . فقال جوابي مثل جوابه ، لتطابق عالمي الملك والملكوت ، أما سمعت أنّ اللَّه تعال خلق آدم على صورته ، فاسأل عن شأني الملقّب ب « يمين
هامش
( 1 ) سورة النور : الآية 35 .