تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » « 1 » ، وقال سبحانه : « وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » « 2 » ، وقال تعالى : « أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ » « 3 » ، فكلّ ما يصدق عليه اسم ( شيء ) ومن ذلك الأفعال الاختياريّة ، فهو مخلوق للَّه‌تعالى ، منسوب إليه . أقول : إنّه كما لا تنافى بين تأثير العلل والأسباب الطبيعيّة في المعلولات والمسبّبات - نظير تأثير النّار في الحرارة وما شاكل - وبين مبدئيّته تعالى بعد كون زمام أمر العلل والأسباب بيده سبحانه ، ولذلك قد يَسند القرآن الأفعال الطبيعيّة إلى فواعلها ، وقد يَسند الجميع إلى اللَّه سبحانه . كذلك لا تنافي بين كون الفعل الاختياري منسوباً إلى الإنسان ، وبين استناده إلى اللَّه تعالى ، بعد كون أصل وجوده وحياته وقدرته حدوثاً وبقاءً بإفاضةٍ من اللَّه تعالى . ولذلك نرى أنّه قد جمع في كثير من الآيات بين الإثباتين جميعاً ، فنُسِب الفعل إلى فاعله وإلى اللَّه سبحانه ، كقوله تعالى : « وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ » « 4 » ، حيث نسبت أعمال الناس إليهم ، ونَسب خلق أنفسهم وأعمالهم إليه تعالى ، وكذلك في قوله عزّ وجلّ : « وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » « 5 » ، فنَسَب الرمي إلى رسول اللَّه ، ونفاه عنه ونسبه إليه تعالى ، مع أنّ الآيات المشار إليها إنّما هي في غير الأفعال الاختياريّة ، بل فيما يُجعل شريكاً للَّه‌تعالى من الجنّ والشمس والقمر وما شاكل ذلك ، وتدلّ على أنّها بأجمعها مخلوقة له .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 102 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 101 . ( 3 ) ( و 4 ) سورة الأعراف : الآية 54 . ( 4 ) ( 5 ) سورة الأنفال : الآية 17 .