القول بالتفويض
القول بالتفويض
وأمّا المفوّضة « 1 » فصيانة عن كرامة اللَّه تعالى وعدالته التزموا بأنّ أفعال العباد غير مربوطة به تعالى ، وأنّ تمام المؤثّر فيها هو العبد « 2 » ، ولازم هذا القول نفي السلطنة عنه ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .
والمثال العرفي الذي يوضّح هذا المذهب : أنّه إذا فرضنا أنّ المولى أعطى لعبده كأسأ من الخمر ، مع علمه بأنّه يشربه ، وبعد ذلك خرج أمر الشرب عن اختياره ، بحيث لو شاء أن لا يقع في الخارج لما تمكّن منه ، فالشرب إذا صدر منه باختياره لا يكون مستنداً إلى المولى بوجه ، فإنّه حين صدوره عنه يكون أجنبيّاً عنه بالمرّة .
وأكثر القائلين بالتفويض - وهمالمعتزلة - قائلون بوجوب الفعلبعدإرادة العبد .
وبعضهم قال بعدم وجوب الفعل بل يعدّ أولى .
هامش
( 1 ) المفوّضة صنفٌ من الغلاة ، وقولهم الذي فارقوا فيه من سواهم من الغلاة ، اعترافهم بحدوث الأئمّة ، وخلقهم ، ونفي القِدَم عنهم ، وإضافة الخلق والرزق مع ذلك إليهم ، ودعواهم أنّ اللَّه تبارك وتعالى تفرّد بخلقهم خاصّة ، وإنّه فوّض إليهم خلق العالم ، راجع : بحار الأنوار : ج 25 / 345 ، تصحيح الاعتقاد : ص 131 ، وقال الطريحي في مجمع البحرين : ج 2 / 438 ( فوّض ) : ( المفوّضة قومٌ قالوا إنّ اللَّه خلق محمّداً وفوّض إليه خلق الدُّنيا ، فهو الخلّاق لما فيها ، وقيل : فوّض ذلك إلى عليٍّ ) ، وفي « مشارق أنوار اليقين في أسرار المؤمنين » : ( إنّ المفوّضة عشرون فرقة ) ، ثمّ ذكر أصنافهم ، فمَن أراد التوسعة فليراجع المشارق : ص 335 .
( 2 ) وهذا يتنافى مع صريح الآية المباركة : « الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ » حيث أخبر سبحانه عن نفسه أنّه الإلهالخالق وفي نفس الحال هو الربّ المدبّر لشؤون الخلق وأرزاقهم . . وفي ذلك إبطال أيضاً لما ذهبت إليه اليهود القائلين بأنّ اللَّه سبحانه خلق الخلق ثمّ استراح ، أو أوكل الأمر إلى كهنتهم . . ، وقد تعرّض اللَّه سبحانه وتعالى لبعض معتقداتهم الباطلة في سورة المائدة آية 64 . نعم ، ما ذكرناه لا يتنافى مع الاعتقاد بأن يكون للأنبياء أو الأوصياء القدرة على التصرّف بمسائل كونيّة بمشيئته تعالى .