لإرادتهم دخلٌ فيها ولا كسب . ولا فرق عندهم بين مشي زيد وحركة يد المرتعش ، ولا بين الصاعد إلى السطح والساقط منه .
الثاني : ما ذهب إليه جماعةٌ منهم أبو الحسن الأشعري « 1 » وأتباعه ، وهم كثيرون ، فإنّهم لمّا رأوا شناعة المذهب الأوّل فرّوا منه بما لا ينفعهم ، وقالوا : إنّ أفعال العباد الاختياريّة واقعة بقدرة اللَّه وحده ، وليس لقدرتهم تأثيرٌ فيها ، بل اللَّه سبحانه أجرى عادته بأنّه يوجِدُ في العبد قدرةً واختياراً ، فإذا لم يكن هناك صانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما ، فيكون فعل العبد مخلوقاً للَّهتعالى إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد .
وقد ذكروا في المراد من ( الكسب ) وجوها :
أحسنها ما قاله القاضي أبو بكر الباقلّاني « 2 » ، وهو : ( أنّ الإنسان وإن كان فعله صادراً عنه بغير تأثير منه في صدوره ، إلّاأنّ تلوّنه بلون حسنٍ أو قبيح إنّما يكون بقدرته واختياره . مثلًا ضرب اليتيم إذا صَدَر منه ، يكون المؤثّر في أصل تحقّقه هو اللَّه تعالى ، إلّاأن قَصَد كونه للتربية فيكون حَسناً أو الظلم فيكون قبيحاً إنّما فوّض إلى العبد ، وهذا هو المعيار للثواب والعقاب ) « 3 » .
هامش
( 1 ) البصري ، سكن بغداد ، وتوفي فيها حوالي سنة 324 ، كما في تاريخ بغداد : ج 11 / 346 ، وذكر عن أبي بكر ابنالصيرفي ، أنّه قال : « كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتّى أظهر اللَّه تعالى الأشعري ، فجحرهم في اقماع السمسم » ، وعلى أيّ حالٍ فهو عماد المذهب الأشعري المعروف .
( 2 ) هو أبو بكر محمّد بن الطيّب بن محمّد الباقلّاني القاضي ، أصله من البصرة ، وعاش في بغداد ، استدعاه عضدالدولة الديلمي إلى بلاطه في شيراز ، فمكث هناك مدّة ثمّ عاد إلى بغداد بعد وفاة عضد الدولة ، ويعدّ الباقلّاني من أهمّ متكلِّمي المدرسة الأشعريّة ، كان معاصراً للشيخ المفيد رحمه الله وكان للمفيد معه مناظرات لطيفة ونافعة أوردها في كتابه « مسألة في النصّ على علي عليه السلام » ج 2 / 21 تحقيق محمّد رضا الأنصاري ، دار المفيد بيروت ، وتجد ترجمة الباقلّاني في « تاريخ التراث العربي » : ج 4 / 48 .
( 3 ) هذا المعنى ذكره الباقلّاني في كتاب « الإنصاف » ، كما نسبه إليه غير واحدٍ من الأعلام ، راجع ملحقات الاحقاق : ج 1 / 400 وج 2 / 51 لآية اللَّه المرعشي النجفي قدس سره .