أقول : ولكن الظاهر أنّه لا ينفعهم ذلك أيضاً ، إذ القصد بنفسه فعلٌ من الأفعال ، فعلى القول بالكسب لابدّ وأن يكون ذلك أيضاً صادراً عن إرادة اللَّه تعالى وقدرته ، فلا اختيار أصلًا .
ولعلّه لذلك قال العلّامة المجلسي رحمه الله : ( والمراد بكسبه إيّاه ، مقارنته لقدرته وإرادته ، من غير أن يكون هناك تأثير أو دخل في وجوده ، سوى كونه محلّاً له ) « 1 » .
وقالوا نسبة الفعل إلى العبد باعتبار قيامه به لا باعتبار إيجاده له .
والالتزام بأحد هذين المذهبين مستلزمٌ لإنكار التحسين والتقبيح العقليّين بالإضافة إلى أفعال العباد ، لأنّهما إنّما يكونان على الأفعال الاختياريّة ، ألا ترى أنّ السيف إذا أصبح آلة لقتل من يَحسُن قتله لا يُحسِّنه العقلاء .
وعلى القول بالجبر ، فإنّ السّياف والسيف متساويان في القتل ، وكلّ منهما آلة لوقوعه ، فالسيّاف أيضاً لا يستحقّ التحسين .
كما أنّ القائلين بأحد هذين القولين - أي الجبر - وقعوا في إشكال تكليف العصاة ، لأنّه إن لم تكن إرادته تعالى متعلّقة بالفعل ، فلا يكون التكليف جديّاً ، وإن كانت إرادته متعلّقة ، به فكيف تتخلّف عن المراد ؟
وفي مقام الجواب عن هذه العويصة : وهو التزامهم بأنّ التكليف إنّما يكون طلباً ، وهو غير الإرادة ، وتخلّف إرادته تعالى عن المراد غير ممكن ، وأمّا طلبه فلا محذور في تخلّفه عن المطلوب ، فمع فرض عدم تعلّق إرادته تعالى بالصلاة مثلًا يأمر بها ، وبه يوجد الطلب ، وتخلّفه عن المطلوب لا محذور فيه .
هامش
( 1 ) ذكره المحقّق الخوئي قدس سره في « المحاضرات » ثمّ قال : ( وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن البصري الأشعري ) ، محاضرات في الأصول : ج 2 / 50 ( نظريّة الأشاعرة مسألة الجبر ونقدها ) .