أقول : ولعلمائنا في تحقيقه مسالك :
الأوّل : ما ذهب إليه الشيخ المفيد رحمه الله في شرحه على « الاعتقادات » حيث قال :
( إنّ اللَّه أقدر الخلق على أفعالهم ، ومكّنهم من أعمالهم ، وحدَّ لهم الحدود في ذلك ، ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف والوعد والوعيد ، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مُجبِراً لهم عليها ، ولم يفوّض الأعمال إليهم لمنعهم من أكثرها ، ووضع الحدود لهم فيها ، وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها . ثمّ قال : فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض ) « 1 » ، انتهى .
وهو حَسَنٌ ، ولكن لا يصحّ تنزيل الأخبار الكثيرة الواردة في بيان الأمر بين الأمرين - التي ستمرّ عليك جملةً منها - على ذلك .
الثاني : أنّ المراد به أنّ اللَّه تعالى جعل عباده مختارين في الفعل والترك ، مع قدرته على صرفهم عمّا يختارون ، وعلى جبرهم على فعل ما لا يفعلون .
وهذا أيضاً حَسَنٌ ، الا أنّ الظاهر كون الأمر بين الأمرين أدقّ من ذلك كما سيمرّ عليك .
الثالث : أنّ المراد به أنّ الأسباب القريبة للفعل بقدرة العبد ، والأسباب البعيدة كالآلآت والأدوات والجوارح والأعضاء والقوى بقدرة اللَّه سبحانه ، فقد حصل الفعل بمجموع القدرتين .
وإليه يؤول ما نسب إلى المحقّق العراقي في تقريرات بحثه حيث قال بعد كلامٍ له :
( ومعه يصحّ أن يُقال لا جبر في البين ، لكون أحد مبادئ الفعل هو اختيار الإنسان المنتهي إلى ذاته ، ولا تفويض بملاحظة كون بقيّة مبادئه الأخرى مستندة
هامش
( 1 ) تصحيح اعتقادات الإماميّة : ص 47 ( والوسط بين هذين القولين ) .