الجهة الرابعة : في اتّحاد الطلب والإرادة
في الطلب والإرادة
أقول : كتبت سابقاً رسالة مستقلّة في الجبر والتفويض ، ثمّ كرّرت النظر فيها فغيّرت بعض مطالبها ، وأضفت إليها بعض الأمور الضروريّة المستجدّة ، فها أنا أذكرها في المقام بتمامها مع هذه التغييرات ليعمّ الانتفاع بها :
الجبر والاختيار
* * *
الجبر والاختيار
من المسائل المهمّة مسألة « الجبر والاختيار » ، وهي تعدّ من أقدم الأبحاث العلميّة ، وقد اشتغل بها المفكّرون والفلاسفة منذ قديم الزمان ، والآراء فيها كثيرة ، سنذكر عمدتها .
ولعلّ أرسطو يعدّ أشهر المفكّرين المتقدّمين المتعرّضين للمسألة حيث تعرّض للمسألة في كتاب « الأخلاق إلى نيقو ماخوس » .
وأساس الآراء والعقائد منقسمة إلى ( الجبر ) « 1 » و ( التفويض ) « 2 » و ( الأمر بين الأمرين ) « 3 » ، لأنّ أفعال الإنسان دائرة بحسب الاحتمال العقلي بين أمور ثلاثة :
هامش
( 1 ) وهو مذهب الأشاعرة كما هو المعروف .
( 2 ) وهو مذهب المعتزلة بصورة عامّة . .
( 3 ) وهو مذهب العدليّة ( الإماميّة ) أعلى اللَّه مقامهم حيث استندوا في ذلك إلى :
1 ) قول الإمام الصادق عليه السلام :
( لا جَبْرَ وَلا تَفْوِيضَ وَلَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ ، قَالَ قُلْتُ : وَمَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَالَ مَثَلُ ذَلِكَ رَجُلٌ رَأَيْتَهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَنَهَيْتَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَتَرَكْتَهُ فَفَعَلَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ فَلَيْسَ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ فَتَرَكْتَهُ كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِالْمَعْصِيَةِ )
، الكافي : ج 1 ص 160 باب الجبر والتقدير والأمر بين الأمرين .
2 ) وما عن « عيون أخبار الرضا عليه السلام » ، عن يزيد بن عمير بن معاوية الشامي ، قال : « دَخَلتُ على عليّ بن موسى الرضا عليه السلام بمرو ، فقلت : له يا ابن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام أنّه قال : « لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين ، فما معناه ؟ فقال : من زعم أنّ اللَّه يفعل أفعالنا ثمّ يعذّبنا عليها ، فقد قال بالجبر ، ومَن زعم أنّ اللَّه عزّ وجلّ فوّض أمر الخلق والرزق إلى حُججه عليهم السلام ، فقد قال بالتفويض ، فالقائل بالجبر كافرٌ ، والقائل بالتفويض مشركٌ . فقلت له : يا ابن رسول اللَّه : فما أمرٌ بين أمرين ؟ فقال : وجود السبيل إلى إتيان ما أُمروا به ، وترك ما نهوا عنه . فقلت له : فهل للَّهعزّ وجلّ مشيّة وإرادة في ذلك ؟ فقال : أمّا الطاعات فإرادة اللَّه ومشيّته فيها الأمر بها والرضا لها والمعاونة عليها ، وإرادته ومشيته في المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها . قلت : فللَّه عزّ وجلّ فيها القضاء ؟ قال : نعم ، ما من فعلٍ يفعله العباد مِنْ خيرٍ وشرٍّ إلّاوللَّه فيه قضاء . قلت : فما معنى هذا القضاء ؟ قال : الحكم عليهم بما يستحقّونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدُّنيا والآخرة » .
راجع : بحار الأنوار : ج 5 / 12 . وغيرهما من الأحاديث الدالّة على هذه المعاني كثيرة جدّاً .