وما ذكره المحقّق الأصفهاني رحمه الله « 1 » : من عدم استحالة ذلك ، مستدلّاً لذلك بقوله عليه السلام : ( يا مَنْ دلَّ على ذاته بذاته ) « 2 » . وقوله عليه السلام : ( أنت دللتني عليك ) « 3 » .
غريب إذ الدلالة في المقام ، عبارة عن إبراز المعنى باللّفظ ، وكونه علامةً له .
فكيف تقاس بدلالة الذّات على نفسه الّتي هي إمّا بمعنى كون الذّات دالّاً بخلقته ، كما هو مقتضى الحديث القدسي : ( كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أنْ اعرف ، فَخَلَقتُ الخَلق لكي اعرف ) « 4 » . أو بمعنى كونه هو الظاهر بنفسه ، وظهور غيره لابدّ وأن ينتهي إليه . كما يشير إليه قوله عليه السلام : ( ألغيرك من الظهور ما ليس لكَ حتّى يكون هو المظهر لك ؟ ) « 5 » ، ولكن مع ذلك يصحّ إطلاق اللّفظ وإرادة نوعه ، لا من باب الاستعمال بل من باب إحضار الموضوع في القضيّة الحقيقيّة بنفسه ، وإلقائه على السامع من دون وساطة ما يستعمل فيه . فيكون الموضوع في القضيّة اللّفظيّة متّحداً مع ما هو الموضوع في القضيّة الخارجيّة . ولا محذور في ذلك .
وقد يقال : إنّ المثال الذي ذكره المحقّق الخراساني - ضَرَب فعلٌ ماضٍ - إذا لم يقصد به شخص القول ، ليس من استعمال اللّفظ في نوعه . لعدم كون الحاكي فعلًا ماضياً . وعليه ، فهو من باب الاستعمال في غيره .
وفيه : إنّ الفعل الماضي ، ما يكون بوضعه دالّاً على تحقّق الحدث في الخارج . ولا يعتبر فيه الدلالة الفعليّة ، فإنّها غير ثابتة قبل الاستعمال . فلفظ ( ضرب ) سواءٌ استعمل في معناه أم لم يستعمل فيه فهو فعلٌ ماض . أي ما من شأنه أنّه لو استعمل فيما وضع له يكون دالّاً على الحدث .
هامش
( 1 ) راجع نهاية الدراية : ج 1 / 36 - 37 ، في صحّة إطلاق اللّفظ وإرادة شخصه .
( 2 ) من دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام المذكور في أغلب كتب الأدعية .
( 3 ) من دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام وقت السحر ، « الإقبال » : ص 68 .
( 4 ) بحارالأنوار : ج 84 / 199 ذكره في بيان شرح قنوت يوم الجمعة ( تمّ نورك فهديت ) .
( 5 ) دعاء عرفة لسيّد الشهداء أبي عبد اللَّه الحسين عليه السلام .