فإنّه من قبيل عدم تبعيّة العقد للقصد الذي هو على خلاف القواعد ، بل أغرب بعدما كان الضمان رعاية لحقّ المالك المفروض إهداره لماله .
ومن هنا يظهر أنّ من القريب كون المراد ممّا دلّ على الأمر بأخذ الطبيب البراءة من وليّ المريض وإلّا فهو له ضامن : هو ضمان الجنايات غير العمديّة التي لا يكون العلاج مستلزماً لها ، وإنّما تقع خطأً وبدون قصد العدوان ، وأمّا النقص الملازم للعلاج فالإذن في العلاج إذن فيه وإهدار له لا محالة ونفس طلب العلاج إبراء له ، ولا يحتاج إلى إنشاء إبراء مستقلّ . فالمراد من أخذ البراءة هو ذلك بالنسبة إلى الجنايات التي ربّما تقارن العلاج من غير أن تكون طبيعة العلاج مستلزمة لها .
كما لو أنّه لو كان المنساق في زمان والمتبادر من الإقدام على العلاج هو براءة المعالج من مثل ذلك لم تكن البراءة بحاجة إلى إنشاء وراء ذلك .
ثمّ لا يبعد أن تكون نصوص الأمين في جملة منها مشيرة إلى ما قرّرناه من القاعدة والظهور ، فيراد بعدم ضمان الأجير معلّلًا بكونه أميناً كون الأجير ممّن استأمنه المالك على ماله بلا تضمين ، وظهور حال المالك في إهدار المال لو تلف بدون العدوان .
فقد ظهر بالذي قدّمناه أنّ الذي يستدعي براءة الأمين ليس هو أمانته ، بل هو إهدار المالك لماله ، وإنّما الأمانة طريق لعدم العدوان ؛ ولذا لو أهدر المالك ماله عند الغاصب لم يكن الغاصب أيضاً ضامناً ، وإن كان ربّما ينسب إلى الفقهاء عدم خروج الغاصب عن الضمان بمجرّد رضا المالك بكون ماله عنده كما في العناوين ، ولكنّه ممّا لاموجب له على القاعدة ، ولا نظنّ قيام دليل على خلافها أوجب قيام الإجماع التعبّدي على ذلك .
فإسناد البراءة إلى الأمانة من إسناد الشيء إلى عدم المانع ، أو من إسناده إلى
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 76
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٧٦