الحكم الشرعي ناشئ من جهالة الذات والشكّ فيها في الشبهات الموضوعيّة ، فكان الجزء الأخير من العلّة الترديد - بعد الفراغ عن حكم الشارع - هو جهالة الذات ، فصحّ إسناد تطلب القرعة إلى الجهالة .
ويمكن تقرير كلام العراقي في تخصيص القرعة بغير الشبهة الحكميّة والشبهة الموضوعيّة البدويّة بأنّ : موضوع القرعة هو المجهول ، والمفهوم منه - عند الإطلاق - هو الجهالة في الذات والاشتباه فيها ، وإلّا فالجهالة في الحكم لا توجب اتّصاف ذي الحكم بالجهالة .
وأمّا في الشبهة الموضوعيّة وإن كان الذات مجهولًا إلّاأنّ القرعة موضوعها ما كانت جهالة الذات هي المستدعية للقرعة ، وليس في الشبهة الموضوعيّة جهالة الذات مستدعية للقرعة ؛ وذلك بدليل أنّه لو لم يكن مثل الخمر محكوماً بالحرمة لم تكن جهالة ذات المائع المردّد بين الخمر والماء مستدعية للقرعة جزماً ، والذي يتطلّب القرعة في الشبهة الموضوعيّة هو في الحقيقة الجهل بانطباق موضوع الحكم الشرعي بوصف كونه موضوعاً للحكم الخارجي ، وهذا غير كون جهالة الذات مستدعياً للقرعة ، وقد عرفت أنّ مقتضى قولهم عليهم السلام : كلّ مجهول ففيه القرعة ، كون موضوع القرعة المجهول في ذاته لا المجهول بوصف كونه موضوعاً للحكم الشرعي أو غيره .
ولكن يرد عليه :
أوّلًا : أنّ الإشكال ناش من تطبيق القرعة باعتبار ذات المحكوم ، فأورد عليه بأنّ المحكوم في الشبهات الحكميّة لا جهالة في ذاته ، وإنّما الجهل في حكمه ، مع أنّه أيّ مانع من تطبيق المجهول على نفس الحكم الشرعي ؟ ! فإنّه شيء مجهول في ذاته ؛ حيث تردّد الحكم بين الإلزام والترخيص ، فهو كتردّد موضوع الحكم بين الماء
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 614
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٦١٤