الحقيقي باطل لا محالة ، كما تكرّر في روايات الغناء من كونه لهواً ومن الباطل إذا ميّز اللَّه بين الحقّ والباطل .
وما ورد من ذمّ الدُّنيا وانتقادها والإزراء بها فهو ناظر إلى الدُّنيا التي قصر النظر عليها ولم تتّخذ معبراً ووسيلة للتزوّد ، بل جعلت الغاية ونهاية المقصد ، ومثل هذه الدنيا هي اللّهو بالمعنى المجازي .
وأمّا الدنيا التي يمتطيها المؤمنون والصلحاء ويركبون صهوها للعبور للآخرة فهي الدنيا الممدوحة في الآثار والنصوص ، وحاشا أن تكون لهواً مجازاً فضلًا عن أن تكون لهواً حقيقيّاً ؛ فإنّها بغية الأنبياء والصلحاء ومعراجهم إلى عوالي المقامات وإسراؤهم إلى معالي الدرجات ، بل ترويض الناس على هذه الدنيا هدف بعثة الرُّسل وإنزال الكتب ، كما أنّ الهدف تعريف الدنيا المذمومة ليحترزوا منها ، ولا يغترّوا بزخارفها وملاهيها . فإذا كانت الدنيا الممدوحة هذا شأنها فكيف يمكن التفوّه بكونها لهواً ، ومتى اشتملت الدنيا على هذه الوجهة فلا يمكن عدّها لهواً وإن كانت لها وجهة أخرى بها تكون لهواً وباطلًا ، وقد تكرّر أنّ اللّهو ما تمحض في اللّهو ولم يكن فيه جهة مقصودة إلّاجهة اللهويّة أو ما هو في طول اللهويّة ، فراجع .
فقد تحقّق بما قدّمناه عدم صدق اللّهو بمطلق التلذّذ بالشيء ، بل صدقه منوط ببعض المراتب العالية من الاستئناس والاستلذاذ بالشيء ، والتي يكشف عنها كراهة الانصراف عن الفعل الملهوّ به إلى الأمور المعنيّة .
نعم ، ربّما يشكّ عند بعض المراتب في صدق اللّهو ، وهو من الشبهة المفهوميّة ، والمرجع فيها الأصول الحكميّة ؛ حيث لا مجرى للأصل الموضوعي كما قرّر في محلّه ، فيرجع إلى أصل الحلّ أو الحرمة على الاختلاف بين الأصوليّين والأخباريّين .
هذا ، مع الغضّ عمّا ذكرناه في بعض المباحث السالفة من الرجوع إلى عموم
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 479
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٤٧٩