مرتبة يصعب على النفس التخلّي عن الفعل وتركه بالإقبال على الأمور المعنيّة ، وليس ترك المزاح كذلك وإن كان الإنسان يستلذّ بفعله .
ويشهد لما ذكرناه : تلذّذ الإنسان بالأصوات الحسنة والرياحين الجميلة والروائح الطيّبة والبساتين وما إلى ذلك من الطيّبات ، ومع ذلك لا تعدّ هذه الأمور لهواً كما يعدّ مثل الغناء والقمار والضرب بالآلات اللهويّة كذلك .
نعم ، ربّما يطلق اللّهو على ما تقدّم ، والظاهر أنّه بعناية ومجاز ، ومن قبيله ما تكرّر في القرآن الكريم من عدّ الحياة الدُّنيا لهواً ؛ يعني بذلك كونها صارفة عن أمر الآخرة كما يكون اللّهو صارفاً ، فهو تنزيل ومجاز ، فتأمّل .
هذا ، مع ما تقدّم من أنّ اللّهو هو ما لا غرض فيه مقصود ، وأمّا ما اشتمل على بعض الأغراض المقصودة فلا يعدّ لهواً وإن لم يقصده الفاعل ، ولا ريب أنّ الدُّنيا فيها من الأغراض العاجلة التي لابدّ منها والآجلة كذلك ما لا يخفى على إنسان ، فلا مناص من كون إطلاق اللهو عليها مجازاً لمجرّد الاشتراك مع اللّهو في مائدة التلهّي والتسبيب إلى الانصراف عن سائر الأمور المعنيّة والتشاغل عنها ، فلاحظ .
فالدُّنيا تُلهي وتصرف وتغفل ومع ذلك فليست لهواً ولغواً وباطلًا كما قال تعالى : « وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًالَّاتَّخَذْنهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبطِلِ فَيَدْمَغُهُ وفَإِذَاهُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ » « 1 » .
فإنّ الدُّنيا مزرعة الآخرة ومتجر أولياء اللَّه وهي عبرة لمن اعتبر وحكمة وحقّ لا محلّ للآخرة بدونها ، فهي في عين كونها لهواً بالمعنى المتقدِّم حقّ ، مع أنّ اللّهو
هامش
( 1 ) الأنبياء : 16 - 18 .