المتقمّص منصباً لا يستحقّه ، وهو منصب الرواية والحديث والإفتاء في الفقه بالمعنى الأعمّ من الفقه الخاصّ ، والمراد بالفقه العام ما يشمل المعارف الحقّة في العقائد والأخلاق وغيرهما ، فيروي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وهو كاذب في روايته ، ويفسّر الآية تخرّصاً وقولًا بغير علم ، وقد كان للقصّاص منزلة خاصّة وكان منصباً في عهد بعض الخلفاء ، وكان القصّاص يشجّع الناس على الجهاد حيث أراد الخليفة بنقل أحاديث ؛ وكأنّه يدير الناس بحديثه على وفق ما يريده الحاكم .
وأمّا من يحكي قصّة أو يروي تاريخاً بدون كذب بل ومعه فليس معنيّاً بهذه النصوص المشدّدة على القصّاص ، وكذا ما تعارف من أسمار العجائز وغيرهنّ لإيناس الصبيان والأطفال ممّا لا واقع لها عادةً ، ولا هم بصدد الحكاية عن قضيّة خارجيّة ، وإنّما تحاكُ تلك القضايا ولا تحكى ، وفيها أغراض عادةً غير الانس بها من عِبر وتعليم وتربية ، فتصاغ في ثوب حكاية القضايا عن الحيوانات ممّا يعلم عادةً بأنّه لا واقع لها ، وكذا أساطير لا واقع خارجيّاً لها ، وإنّما تنسج وتلفّق على أساس تخيّلات لهدف من انس أو عبرة أو غيرهما ؛ فإنّ المباشر بنقل هذه الأمور - بقول أو بفعال والذي يصطلح عليه بالتمثيليّة التي تُجرى مباشرةً أو تُبثّ عبر الحواكي والأشرطة والأفلام والوسائل الأخرى - لا يصدق عليه القاصّ ؛ لكون القاصّ هو من يعبّر ويحكي عن واقع ويقصّ أثره ويتبعه ، وأمّا هذا فهو منشأ للقضيّة ومُحدث لها ، وليس بصدد الحكاية عن خارج .
ومن هنا تعلم أنّ التعبير عن أمثال هذه القضايا بالقصص والحكايات مسامحة ، أو هو تعبير غير عربي ، وإنّما تطلق في مثل لغة الفرس ويكون مرادفاً للقضيّة الخياليّة ، بينما القصّة في لغة العرب ترادف الحكاية ونقل القضيّة الواقعيّة .
وعلى هذا الأساس فتتّصف القصّة في اصطلاح العرب بالصدق والكذب ،
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 465
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٤٦٥