إليه ذلك وأنّه في قبال العدل ، قال في المفردات : « الإحسان يقال على وجهين : أحدهما : الإنعام على الغير ، يقال : أحسن إلى فلان . والثاني : إحسان في فعله ؛ وذلك إذا علم علماً حسناً أو عمل عملًا حسناً . . . إلى أن قال : فالإحسان فوق العدل ؛ وذاك أنّ العدل هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له ، والإحسان أن يعطي أكثر ممّا عليه ويأخذ أقلّ ممّا له ، فالإحسان زائد على العدل ، فتحرّي العدل واجب ، وتحرّي الإحسان ندب وتطوّع » .
أقول : الظاهر أنّ الإحسان ليس له إلّاوجه واحد ، ومعناه فعل الحسن ، وأمّا كونه إنعاماً على الغير أو الإحسان في فعل نفسه لا بالغير فهو مفهوم من أداة التعدية ، فإن قيل : أحسن إلى الغير دلّ على الإنعام ، وإن قيل : أحسن في فعله أو اطلق دلّ على المعنى الثاني .
وأمّا ما أفاده في أنّ الإحسان مغاير للعدل ، فإنّ العدالة في الفعل غير الإحسان ، فإن أراد أنّ العدالة لا يصدق عليها الإحسان أصلًا فهو كما ترى ؛ فإنّ من آجر نفسه لمعالجة مريض فإنّ مقتضى العدالة هو تسليم العمل والوفاء بالإجارة ، ومع ذلك يعدّ هذا العمل إحساناً للمريض .
ويمكن أن يقال في ضابط الإحسان : إنّ العمل إذا كان واجباً على الشخص بغضّ النظر عن إقدامه قد لا يعدّ إحساناً ، وأمّا إذا كان وجوبه عليه بإقدامه وقصده والتفاته يعدّ الفعل إحساناً . ولكن الظاهر صدق الإحسان مطلقاً .
وما أبعد احتمال منافاة الوجوب مع صدق الإحسان عن القول بصدق الإحسان بمجرّد كون الفعل مباحاً ، كما يلوح من ابن إدريس وغيره . وسيأتي في الجهة الحادية عشرة .
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 159
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص١٥٩