نعم ، يلوح من بعضهم بل من غير واحد - منهم سيّدنا الأستاذ قدس سره - أنّ المنشأ لاستناد الأفعال - في جملة من الموارد - إلى غير المباشر لها هو ضعف المباشر في إرادته بجنون أو صبا مع عدم التمييز ؛ فيعدّ كالآلة من عصا ونحوه ، وتكون إرادته من قبيل إرادة الحيوان التي لا تمنع من استناد الفعل إلى صاحبه الذي روّضه حسب إرادته ؛ كالكلب المعلَّم وغيره من أنواع الحيوانات المعلَّمة .
وكأنّ ظاهرهم هو سلب استناد الفعل إلى المباشر واختصاص الاستناد إلى السبب ؛ وكأنّهم أخذوا على أنفسهم أنّ الفعل الواحد في مثل هذا لا يصحّ استناده إلى أكثر من واحد ، ولمّا لم يصحّ مؤاخذة مثل المجنون وغير المميّز كان الفعل مصروفاً في استناده إلى من تصحّ مؤاخذته به وهو السبب .
وعليه ، فإذا كان المباشر مستقلّاً بالإرادة - كالعبد والصبي المميّز ومن شاكلهما بحيث يمكنه التخلّف عن أمر السبب وإرادته ويكون الأمر داعياً له على الانبعاث لا سبباً للفعل ، لا يستند الفعل إلى السبب ، بل إلى المباشر خاصّة .
وهذا غريب ؛ فإنّهم قد صرّحوا بضمان النائم إذا أتلف شيئاً ، مع أنّ استناد التلف إليه على حدّ استناد غير المميّز والمجنون بل دونهما ، فلو كان هذا المقدار غير كافٍ في الاستناد فكيف يضمن النائم على القاعدة ؟ !
والحقّ استناد الفعل في موارد التسبيب إلى المباشر قطعاً حتّى إذا كان المباشر حيواناً فضلًا عمّا إذا كان غيره ، غاية الأمر أنّ ضعف إرادة المباشر منشأ لاستناد الفعل إلى السبب أيضاً ، ولا مانع من استناد الفعل إلى شخصين في الأمور العينيّة فضلًا عن الأمور الاعتباريّة .
نعم ، ليست السببيّة منشأً للاستناد دائماً ، بل هي أعمّ منه ؛ فإنّ الاستناد متقوّم في فرض عدم المباشرة بصدور الفعل عن طلب من الآمر فيما لم يكن الغرض مترتّباً
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 132
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص١٣٢