دائماً ، خلافاً لما قدّمناه من كون التسبيب أعمّ من الاستناد ، فتكون قاعدة الغرور على القاعدة غنيّة عن دليل خاصّ .
فالتسبيب إلى وقوع أمر - كالخسارة - يوجب انتسابه أيضاً إلى السبب إذا كان المباشر جاهلًا ، فكما أنّ من دعا غيره للمرور على مكان فيه حفيرة والمارّ جاهل بها يعدّ جانياً وقاتلًا لو تحقّق القتل بالوقوع فيها ، ويقتصّ منه . ومنشأ النسبة تغريره له ، فكيف لا تنتسب جناية غير القتل إلى الغارّ لو دعاه إلى المرور على الحفيرة ليتلف مال المارّ الذي معه ؟ !
وكذا لو أغراه بالذهاب إلى أرض مسبعة فافترسه الوحش أو إلى مسيل فذهب السيل بماله ؟ ! وأيّ فرق بين هذا وبين ما إذا هداه إلى فخّ باشر هو نصبه ، سوى أنّ ذهاب المغرور كان بالاختيار لا بالإلجاء كما لو ألقاه مكتوفاً إلى الوحوش .
وبالجملة : فكلّ أمر لا يشترط في انتسابه المباشرة ينسب إلى السبب كما ينسب إلى الآمر به وإلى مباشره . نعم ، يشترط عدم علم المباشر في صدق نسبته إلى السبب ، وإلّا فيعدّ السبب من قبيل الشرط ، كمن أعطى سكّيناً لمن يريد قتل الغير لا ينسب معه القتل إلّاإلى المباشر .
ولعلّ نفي نسبة الشيء الواقع إلى الغارّ مع ذلك إنّما يكون مجازاً بعناية تقدير المباشرة التي لا تنافي صحّة النسبة المطلقة ، التي هي الملاك في كون الإطلاق حقيقيّاً ؛ حيث يكشف عن عدم دخل المباشرة في المعنى الحقيقي .
كما وربما يتبرّأ المباشر من الأمر وينفيه عن نفسه ولكن يريد ذلك بتقدير القصد والعمد مجازاً ؛ الذي لا ينافي الانتساب إليه بقول مطلق ، الذي هو الملاك في الإطلاق الحقيقي ؛ حيث يكشف عن عدم كون العمد دخيلًا في المعنى الحقيقي .
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 135
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص١٣٥