الموطن الثاني : مرحلة نزول القرآن بواسطة جبرئيل عليه السلام على الرسول صلى الله عليه وآله . وهذا الموطن غير قابل للتحريف أيضاً ، بدليل العصمة التي يمتلكها جبرئيل عليه السلام بصفته واحداً من الملائكة .
الموطن الثالث : عرض الرسول صلى الله عليه وآله القرآن على الناس ؛ بمعنى أنّ ما أنزله جبرئيل عليه السلام على قلب الرسول المبارك صلى الله عليه وآله فإنّ حضرته صلى الله عليه وآله عرضه نفسه للناس بلا أيّة زيادة ونقصان . ومن الواضح : أنّ القرآن في هذا الموطن لم يتعرّض للتحريف أيضاً ، وجُمع ونُظِّم في زمن الرسول بصورة كتاب مدوّن ، والكثير من الأفراد أودعوه حفظاً في أذهانهم ، وقد نُقل ذلك القرآن في الأزمنة التالية بصورة متواترة إلى الأجيال التالية .
الموطن الرابع : وهو عبارة عن القرائين التي تحكي عن ذلك القرآن المتواتر ، وبعبارة أخرى : القرائين المكتوبة إمّا المطبوعة أو الخطّية هي التي تحكي عن تلك الحقيقة ، ومن البديهي فإنّ التحريف في اختلاف القراءة وأمثال ذلك قد وقع في هذا القسم ، ومن الممكن في هذا الموطن الرابع حصول التحريف بالزيادة أو النقصان . والداخل في محلّ النزاع إنّما هو ذلك القرآن المحكي المتواتر الذي هو موجود في كلّ زمان بعنوان حقيقة وشئ واحد ، وبعنوان كلام الحقّ المنزل ، وقد نطقت بذلك آية الحفظ الشريفة : « وَإِنَّا لَهُ ولَحفِظُونَ » « 1 » ؛ فإنّ الضمير في كلمة « له » تعود إلى القرآن المنزل ، وهو ليس أكثر من قرآن واحد وحقيقة واحدة ، وبقيّة القرائين تحكي عنه ، ولا شكّ من تعرّضها للتحريف .
وبناءً على ما بيّناه يتّضح بأنّ ما قاله بعض المحدثّين « 2 » بأنّ المراد من آية الحفظ هو : أنّ اللَّه - تعالى - يحفظ كتابه في الموضع الذي ينزله فيه ، مثلما كان محفوظاً في
هامش
( 1 ) سورة الحجر 15 : 9 .
( 2 ) فصل الخطاب : 336 - 338 .