العرب المسطورة ؛ فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه فيما ذكرناه ؛ لأنّ القرآن معجزة النبوّة ، ومأخذ العلوم الشرعيّة ، والأحكام الدينيّة ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتّى عرفوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيَّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد - إلى أن قال - :
إنّ القرآن كان على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مجموعاً مؤلّفاً على ما هو عليه الآن ، واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يُدرَس ويُحفَظ جميعه في ذلك الزمان ، حتّى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وأنّه كان يعرض على النبيّ صلى الله عليه وآله ويُتلى عليه ، وأنّ جماعة من الصحابة مثل عبداللَّه بن مسعود وأُبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ صلى الله عليه وآله عدّة ختمات ، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث ، وأنّ مَن خالف في ذلك من الإماميّة والحشويّة لا يعتدّ بخلافهم ، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث ، نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحّتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته « 1 » .
4 - شيخ الطائفة أبو جعفر محمّدبن الحسن الطوسي يقول في هذا المجال : وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه فمّما لا يليق به أيضاً ؛ لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها ، والنقصان منه ، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله .
وهو الظاهر في الروايات ، غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة العامّة والخاصّة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملًا ، والأولى الإعراض عنها ، وترك التشاغل بها ؛ لأنّه يمكن تأويلها « 2 » .
هامش
( 1 ) حكى عنه في مجمع البيان 1 : 15 - 16 .
( 2 ) مقدّمة تفسير التبيان 1 : 3 .