الصورة الأولى : أن يكون المقصود من التأثير هو أنّ المفهوم من الأدلّة ، نظير القرآن الكريم ، والسنّة يتغيّر بسبب مرور الزمان والظروف ؛ أي أنّ الدليل الذي كان له معنىً معيّناً في زمان ، يفقد ذلك المعنى في زمان آخر ، وهذا النحو من التأثير باطل بلا شكّ ، فالأدلّة اللفظيّة تبتني في دلالتها على المعاني والمفاهيم على قواعد أدبيّة خاصّة في تلك اللغة ، وهذه القواعد واللغة لا تتغيّر بمرور الزمان ، مثلًا لا يمكن القول بأنّ صيغة الأمر أو النهي في السابق كانت تدلّ على معنىً خاصّ في اللغة ، ولكنّها الآن وبسبب مرور الزمان فقدت دلالتها على ذلك المعنى .
وطبعاً ، فالمعاني العرفيّة قابلة للتغيير ، وبإمكان المتكلِّم أيضاً استعمال الألفاظ في غير معانيها اللغويّة مع ضمّ القرينة إليها .
الصورة الثانية : أن يكون المقصود هي الشرائط الموجودة في الأدلّة حين صدورها ؛ أي أنّ الحكم الصادر ضمن شرائط وخصوصيّات معيّنة يزول بزوال تلك الخصوصيّات ، وتغيّر تلك الشرائط ، وهذا النحو من التأثير لا يتصوّر إلّافي الروايات . أمّا بالنسبة للقرآن الكريم ، فلا وجود لهذا النحو من التأثير .
ولهذا النحو من التأثير في دائرة الروايات نظائر كثيرة :
1 - ما ورد في عدم خضاب أمير المؤمنين عليه السلام بعد رحلة النبيّ صلى الله عليه وآله ، فاعترض عليه البعض وقال : لم لا تخضب ؛ فإنّ رسولاللَّه صلى الله عليه وآله قد خضب ؟ فقال عليه السلام : كان ذلك والإسلام قُلٌّ ، فأمّا الآن فقد اتّسع نطاق الإسلام ، فامرُؤٌ ، وما اختار « 1 » . ولذا فإنّ ذلك الحكم قد فقد شرائطه وخصوصيّاته .
2 - طبقاً لما ورد في بعض الروايات يستحبّ حلق الشارب وإعفاء اللّحى ؛ لأنّ اليهود في ذلك الزمان كانوا يحلقون لحاهم ويعفون شاربهم ، فأمر رسولاللَّه صلى الله عليه وآله
هامش
( 1 ) لسان العرب 6 : 209 ، نهج البلاغة : 471 ح 17 ، وعنه وسائل الشيعة 2 : 87 ، كتاب الطهارة ، أبواب آداب الحمّام ب 44 ح 2 .