والجدير بالذكر أنّ علاج وحلّ بعض المشاكل الاجتماعيّة - ممّا لا ينسجم مع ما ورد في الروايات - يدور في هذا الإطار ، فيجب على الفقيه المتبحِّر التحقيق ابتداءً في التكاليف الواردة في الروايات ليرى هل أنّ ذلك التكليف هو تكليف مولويّ لا يقبل التغيير والتبديل ، أو أنّه تكليف إرشاديّ قابل للتغيير مع تغيّر خصوصيّات الموضوع المُشار إليه ؟ وهذه المسألة - مضافاً إلى كونها تفيد هذه الفائدة - تمثِّل إحدى طرق حلّ التعارض الظاهري بين الروايات . وهناك أمثلة كثيرة لهذا المطلب في الفقه .
الثالث : في بعض الموارد تتغيّر خصوصيّات الموضوع ، بعد تغيّر الظروف بمرور الزمان ، دون أن يكون هناك بحث في العلّة ، مثلًا في صحّة البيع لا يوجد هناك فرق بين بيع المسلم والكافر ، فالمعاملة في كلا الحالين صحيحة ، ولكن في الظروف الحاليّة قد يستوجب البيع والشراء من الكفّار تقوية موقعهم السياسي ، وحينئذٍ قد يستشكل في جواز البيع في هذا المورد ، ففي هذا المثال حدث تغييرات في الموضوع ؛ أي في خصوصيّات البيع على مستوى البائع والمشتري ، فدخل تحت قاعدة « نفي السبيل » .
وعليه : فالتغييرات التي حصلت للموضوع ، وأدّت إلى نشوء خصوصيّات جديدة له ؛ فمن الطبيعي أن يكون له - مع هذه الخصوصيّات الجديدة - حكم جديد .
ويتّضح من خلال ما تقدّم أنّ إحدى المهامّ والوظائف المهمّة للفقيه هي الالتفات إلى أنّ الموضوع في حال تغيير الشرائط ، وحدوث خصوصيّات جديدة ، سوف يدخل في أيّ دائرة من الأدلّة والموضوعات . فالفقيه مع تسلّطه في جميع الأبواب الفقهيّة ، وإحاطته الكاملة بجميع المباني الاصوليّة ، وجميع الأدلّة يمكنه في حال تغيّر الشرائط إدراك أنّ هذا الموضوع مصداق لأيّ عنوان من العناوين .
رسائل في الفقه والأصول — صفحة 278
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٢٧٨