4 - الزمان والمكان ، ومسألة النسخ
لا شكّ في وقوع النسخ في الشرائع السابقة ، وكذلك في بعض أحكام الشريعة الإسلاميّة ، والمقصود من النسخ هو : أنّ الشارع المقدّس يرفع حكماً كان قد قرّره في مدّة معيّنة من الزمان لمصلحة فيه بعد انقضاء تلك المدّة . وعليه :
فإنّ النسخ في الاصطلاح يختصّ بالأحكام الشرعيّة ، وكذلك من اللازم في النسخ أن يتمّ رفع الحكم السابق بواسطة نصّ شرعيّ آخر يدلّ على حكم آخر .
إنّ علماء أهل السنّة لا يرون فرقاً بين النسخ وتأثير الزمان والمكان في الأحكام الشرعيّة ، ويقولون بأنّ النسخ عبارة عن إبطال نصّ شرعيّ سابق بوسيلة نصّ لاحق .
أمّا مسألة تغيير الأحكام بسبب شرائط الزمان ، فهي عبارة عن عمل بنصّ سابق ، ولكن يستفاد منه حكم جديد مبتنٍ على دليل مستفاد من ظروف النصّ تبعاً للمصلحة الزمانيّة ؛ يعني أنّ العمل بحكم النصّ تابع للمصلحة الوقتيّة ، فلو تغيّرت المصلحة تغيّر الحكم تبعاً لها ، دون أن يكون هناك حاجة لتغيير النصّ . ومن جهة يكون المبطل للعمل بالنصّ في المسألة هو الشارع ، ولكن من يغيّر العمل بالحكم في مسألة تغيير المصلحة هو المجتهد « 1 » .
وسوف نذكر لاحقاً « 2 » أنّ الإماميّة ترى عدم وجود مرجع لإبطال الحكم أو تغييره سوى الشارع المقدّس . وفي الوقت نفسه هناك تفاوت واضح بين هاتين المسألتين ؛ لأنّ مسألة الزمان والمكان لا ترتبط مباشرة بالأحكام ، بل تبحث عن تغيّر وتبدّل الموضوعات وحدوث خصوصيّات جديدة في موضوع معيّن ، أو اختلاف الفهم من ظاهر الدليل .
هامش
( 1 ) المدخل إلى أصول الفقه ، للدكتور محمّد معروف اللَّه الواليبي .
( 2 ) في ص 302 - 303 .