ويستفاد من هذه الآية الشريفة أنّ الحكم بالعدل بين الناس واجب ، كما هو الحال في وجوب ردّ الأمانة إلى أهلها ، ويمكن أن يستشكل البعض بأنّ الحكم بالعدل في هذه الآية غير مطلق ، بل مقيّد بحدوث المنازعة بين الناس .
ولكن يمكن الجواب عن ذلك بأنّ كلمة الحكم بالعدل مطلقة ؛ أي كما أنّه شاملة لحكم القضاة ، كذلك شاملة لحكم الولاة والحكّام أيضاً ، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسِّرين صراحةً « 1 » . وعلى هذا ليس الحكم بالعدل مقيّداً بحدوث النزاع ، بل هو عنوان كلّي لبيان أنّ مطلوب الشارع المقدّس هو الحكم بالعدل بين الناس في المجتمع الإسلامي ، وبعبارة أخرى : إنّ الحكم بالعدل في هذه الآية هو ما تقدّم في الآية السابقة من الحكم بالحقّ .
4 - قوله - تعالى - : يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّ مِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَ لِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ « 2 » .
في هذه الآية الشريفة يأمر اللَّه - تعالى - المؤمنين بالقيام لتحقّق القسط والعدل .
كلمة « قوّامين » جمع « قوّام » ( صيغة مبالغة ) تدلّ على التأكيد ؛ يعني قوموا كراراً لتحقّق هذا الأمر ، أو تدلّ على أنّ الإتيان بهذه الفريضة مهمّ في كلّ عصر وزمان ، وفي مختلف الظروف والأحوال . وعلى هذا ، فالآية الشريفة تدلّ بوضوح على أصل وجوب القيام بالقسط والعدل . ولكن هل أنّ القائم بذلك في البداية هم أفراد المجتمع ، أو الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ، والفقهاء قدس سرهم ، بحيث يترتّب على بيان العدالة بواسطة الأفراد قيام المجتمع بالقسط ؟ فذلك بحث آخر سيأتي توضيحه .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 4 : 378 .
( 2 ) سورة النساء 4 : 135 .