تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفقه والأصول — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
في هذه الآية الشريفة يأمر اللَّه - تعالى - بالعدالة بشكل مطلق وكلّي ، ومن الواضح أنّ المقصود من العدل والعدالة هنا ليس هو المحدود في دائرة الأمور الماليّة والاقتصاديّة ، بل المقصود هو العدل في جميع الأمور ، فالعدل بمعناه الواسع هو المراد للَّه‌تعالى ، ويستفاد الوجوب من كلمة « يأمر » بصورة جيّدة . بعض العلماء ذهب في تفسير الآية الشريفة إلى أنّ المراد بالعدل هنا : أداء الواجبات ، والمراد بالإحسان : هو الإتيان بالمستحبّات « 1 » ، بينما ذهب آخرون إلى أنّ العدل : هو التوحيد ، والإحسان : هو أداء الأعمال الواجبة « 2 » . وذهب فريق ثالث إلى أنّ العدل : هو تناغم الظاهر مع الباطن ، والإحسان : هو أن يكون باطن الشخص أفضل من ظاهره « 3 » . ولكن بما أنّ الآية الشريفة لم تحدّد المراد من العدالة في أيّ من هذه المعاني المذكورة ، فيستفاد أنّ مقصود الآية هي العدالة بمعناها الواسع كما تقدّم . والملاحظة التي تستدعي التدبّر في الآية الشريفة هي : هل المستفاد من كلمة « يأمر » هو الوجوب التكليفي ، أو الوجوب الإرشادي ؟ وبعبارة أخرى : أنّ من المحتمل أن يكون الأمر الإلهي في هذه الآية الشريفة أمراً إرشاديّاً ، وخاصّة إذا أخذنا بتفسير العدل على أساس أنّه أداء الواجبات ، فمن الواضح : أنّ أداء الواجبات لا يمكن أن يكون أمراً تكليفيّاً ، بل هو أمر إرشاديّ . وفي الجواب عن ذلك يمكن القول : بأنّ الدقّة في كلمة « يأمر » تستدعي الوجوب التكليفيّ ، ولا أقلّ من الوجوب بالمعنى الأعمّ من التكليفي والإرشادي ؛ يعني أنّ أحد الواجبات الشرعيّة والإلهيّة ، إيجاد العدالة وتحقّقها في المجتمع
هامش
( 1 ) التبيان في تفسير القرآن 2 : 418 ، روض الجِنان وروح الجَنان 12 : 84 . ( 2 ) جامع البيان 14 : 198 ، الدر المنثور 5 : 140 ، روح المعاني 14 : 609 - 610 ، مجمع البيان 6 : 180 . ( 3 ) مجمع البيان 6 : 180 ، روح المعاني 14 : 609 - 610 ، تفسير نمونة 11 : 368 .