إنّما هو أمر ذهني ؛ كالكلّيّة التي تكون عارضة للإنسان المتصوّر الموجود في الذهن ، وقد قلنا : إنّ معروض الاختصاص ليس هو اللفظ الذهني ولا اللفظ الخارجي .
وأمّا الاحتمال الثالث : فلأنّ المعتبر في الأمور الانتزاعيّة حملها أو حمل مايشتقّ منها على منشأ الانتزاع ، كمحلّ الفوق على السقف الذي هو منشأ لانتزاع الفوقيّة ، وهذا الملاك لا يجري فيما نحن فيه ؛ لأنّه لو قلنا بأنّ قول الواضع : « وضعت » يكون منشأ لانتزاع الاختصاص والارتباط بين اللفظ والمعنى ، لما يصحّ حمل الاختصاص أو المشتق منه على كلمة « وضعت » .
وأمّا الاحتمال الرابع : فلوجود الفرق بين كون الشيء من المفاهيم الإضافيّة ، وبين صدق مقولة الإضافة ، والمسلّم فيما نحن فيه هو الأوّل الذي لا ينفع للخصم ، والذي ينفع له هو الثاني ؛ لأنّ الشيء لا يصدق عليه حدّ مقولة الإضافة ، إلّاإذا وجد في الخارج ، وقد قلنا بأنّ الاختصاص غير متوقّف على وجود اللفظ في الخارج .
فتعيّن الاحتمال الخامس ؛ وهو كونه من الأمور الاعتباريّة ، كالملكيّة والزوجيّة ، لكنّها على قسمين : الأمور الاعتباريّة التسبيبيّة ، والأمور الاعتباريّة المباشريّة . والمراد من الأوّل : أنّ اعتبار المعتبر يحتاج إلى إيجاد سبب ، كإيجاد العقد الذي هو سبب لاعتبار الشارع أو العقلاء ، والمراد من الثاني : أنّ نفس اعتبار المعتبر مباشرة يكفي في تحقّق المعتبر ، والاختصاص الوضعي من هذا القبيل ، فالوضع ليس إلّااعتبار الارتباط والاختصاص بين لفظ خاصّ ومعنى خاصّ .
ثمّ قال في أثناء كلامه : إنّه لا شبهة في اتّحاد حيثيّة دلالة اللفظ على معناه ، وكونه بحيث ينتقل من سماعه إلى معناه مع حيثيّة دلالة سائر الدوالّ ، كالعَلَم المنصوب على رأس الفرسخ ؛ فإنّه أيضاً ينتقل من النظر إليه إلى أنّ هذا الموضع
رأس الفرسخ ، غاية الأمر أنّ الوضع فيه حقيقيّ ؛ بمعنى أنّ كون العَلَم موضوعاً على
رسائل في الفقه والأصول — صفحة 165
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٦٥