منّا هو :
أنّه لا شكّ في ارتباط اللفظ مع المعنى واختصاصه به ، إنّما الخلاف في حقيقة هذا الاختصاص ، فهو لا يخلو عن احتمالات خمسة : إمّا أن يكون من الأمور الواقعيّة العرضيّة ، أو يكون من الاعتباريّات الذهنيّة ، أو يكون من الأمور الانتزاعيّة التي يكون المنشأ للانتزاع فيها هو الوضع ، أو يكون من مقولة الإضافة ، أو يكون من الاعتباريّات التي تكون قائمة بنفس المعتبر ، ولكنّ الأربعة الأولى باطلة ، فتعيّن الاحتمال الخامس .
أمّا الاحتمال الأوّل : فبطلانه واضح بالأدلّة الثلاثة :
الأوّل : أنّ العرض يتوقّف على موضوع في الخارج ، مع أنّ الاختصاص لايتوقّف على وجود اللفظ في الخارج ، بل ولا في الذهن ، بل هو متحقّق بين طبيعيّ اللفظ وطبيعيّ المعنى ، لا بقيد كونهما خارجيّاً ولا ذهنيّاً .
الثاني : أنّ الأمور الواقعيّة لا تختلف باختلاف الأنظار ، بخلاف غيرها ، مع أنّ لفظاً عند قوم يدلّ على معنى ، ونفس هذا اللفظ يدلّ على معنى آخر عند قوم آخرين .
الثالث : أنّ العرض كسائر الأجناس العالية إنّما هو للماهيّة ، وبعبارة أخرى : أنّ المقولات الحقيقيّة أجناس عالية للماهيّات ، ولا تصدق المقولة صدقاً خارجيّاً إلّاإذا تحقّقت تلك الماهيّة في الخارج ، وقد عرفت أنّ الاختصاص بين اللفظ والمعنى ليس مقيّداً بالوجدان الخارجي .
فتبيّن من ذلك أنّ الاختصاص والارتباط بينهما لا يمكن أن يكون من الأمور الواقعيّة ؛ لأنّ فرضه منها منحصر في كونه عرضاً للّفظ ، وقد ظهر عدم إمكانه .
وأمّا الاحتمال الثاني : فبطلانه من جهة أنّ الاعتباريّات الذهنيّة معروضها
رسائل في الفقه والأصول — صفحة 164
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٦٤