الدليل الثاني : أنّ القول بالتعهّد يناسب الغرض الأساسيّ من الوضع ؛ فإنّه لاشكّ في كون الغرض منه التفهيم والتفهّم ، وهذا لازم ذاتيّ للالتزام والتعهّد .
الدليل الثالث : أنّ هذا القول مناسب للوضع بحسب المعنى اللغوي ؛ فإنّه في اللغة عبارة عن الجعل والإقرار ، ومنه وضع القوانين التي هي بمعنى الالتزام بها ، وبالعمل بها .
وأمّا ما يترتّب على القول بالتعهّد فأمور أربعة :
الأمر الأوّل : أنّ كلّ مستعمل واضع ؛ لأنّ من استعمل لفظاً في معنى فقد تعهّد بتفهيم المعنى بسبب اللفظ الخاص ، فكلّ مستعمل واضع ، ولكن إطلاق الواضع على شخص معيّن إنّما هو باعتبار أسبقيّته من حيث الزمان ، لا لأجل أنّه واضع في الحقيقة دون غيره .
الأمر الثاني : أنّه بناءً على هذا يصحّ تقسيم الوضع إلى قسمين : التعييني ؛ وهو ما كان التعهّد فيه ابتدائياً غير مسبوق بكثرة الاستعمال ، والتعيّني ؛ وهو ما كان التعهّد فيه مسبوقاً بكثرة الاستعمال .
الأمر الثالث : أنّ الدلالة الوضعيّة دلالة تصوريّة على المشهور ، وأمّا بناءً على مسلك التعهّد تكون الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصديقيّة ، لكن بالإرادة الاستعماليّة ، ففيما لا يكون المعنى مراداً للمستعمل بالإرادة الاستعماليّة ، لا تكون الدلالة موجودة ، وما يتبادر من الألفاظ حين صدورها عن شخص بلا قصد التفهيم ، أو عن شخص بلا شعور ، أو عن اصطكاك جسم بجسم آخر ، إنّما هو من جهة الانس الحاصل بينهما بكثرة الاستعمال أو بغيرها .
الأمر الرابع : أنّه بناءً على هذا لا يكون الوضع أمراً اعتبارياً ، فليكن هذا خارجاً عن مسلك الاعتبار ، بل هو إمّا أمر واقعيّ بما أنّ التعهّد والالتزام النفساني من الأمور الواقعيّة ، أو أمر انتزاعيّ ينتزع من التعهّد ، وهو منشأ للانتزاع .
رسائل في الفقه والأصول — صفحة 158
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٥٨