فما معنى التنزيل والاتّحاد « 1 » ؟
وقد أجيب عن ذلك بأنّ هنا فرق بين تنزيل شيء منزلة شيء آخر بلحاظ ترتيب الآثار ، وبين اعتبار شيء مقام شيء آخر « 2 » .
وفيه : أنّه قد قلنا بعدم وجود الفرق بينهما ؛ فإنّ تنزيل شيء منزلة شيء آخر يورث الاتّحاد الاعتباريّ ، كما أنّ اعتبار شيء مقام شيء آخر موجب للاتّحاد الاعتباري .
والصحيح في الجواب أن يقال : إنّ المصحّح ليس دائماً بعنوان الأثر الخارجي ، بل المعتبر في التنزيل وجود أثر في المنزّل عليه حتّى يترتّب على المنزّل ، وهو موجود هنا ، فكما أنّا حين نرى فرداً ما من الماء في الخارج ننتقل إلى الحقيقة الكلّية ؛ يعني طبيعة الماء ، فمن لفظ « الماء » أيضاً ننتقل إليها ، وهذا كافٍ في التنزيل .
الثاني : أنّ هذا المعنى دقيق جدّاً ، وبعيد عن أذهان الواضعين ؛ الذين من جملتهم الأطفال والمجانين ، بل الحيوانات ، وهذا الإشكال يجري بالنسبة إلى كثير من المسالك في الوضع « 3 » .
وفيه : أنّه لا منافاة بين كون الشيء رائجاً عند العرف ، وبين كون حقيقته من الأمور الدقيقة التي تحتاج إلى التأمّل والدقّة ، ومصداق هذا الأمر كثير جدّاً .
الثالث : أنّ ما ذكرتم من كون الشخص في مقام الاستعمال يرى المعنى فقط دون اللفظ ، لا يكون دليلًا على الاتّحاد والتنزيل ؛ لأنّه يناسب مع كون اللفظ آلة ، مضافاً إلى وجود الفرق بين مقام الوضع والاستعمال ؛ فإنّه لا شكّ في كون الواضع في مقام الوضع لابدّ أن يتصوّر اللفظ مستقلّاً ، كما يتصوّر المعنى كذلك ، بخلاف مقام
هامش
( 1 ) حاشية أجود التقريرات 1 : 18 ، محاضرات في أصول الفقه 1 : 44 - 45 .
( 2 ) بحوث في علم الأصول ( مباحث الدليل اللفظي ) 1 : 77 ، منتقى الأصول 1 : 58 - 60 .
( 3 ) حاشية أجود التقريرات 1 : 18 ، محاضرات في أصول الفقه 1 : 44 .